وزارة تجتمع مرتين في ربع قرن
2024.01.18
إحسان عبيد
في أواسط المرحلة الإعدادية أعطانا أستاذ مادة المجتمع درساً في التقسيم الإداري لهيكل الدولة (القرية – الناحية – القضاء – المحافظة - الوزارة – رئاسة الوزراء – رئاسة الجمهورية)، والمهام المنوطة بكل منها. وأذكر أنه شكّل من بعض طلاب الصف مجلس وزراء، وكان منصبي وزيراً للخارجية، وقال: خذوا هذا الواجب المنزلي.. لنعتبر هذه القرية جمهورية.. فمدير المدرسة هو رئيس الجمهورية، وأنا "أي الأستاذ" رئيس مجلس الوزراء، وأنتم الوزراء المختصون.. فماذا ينوي كل وزير أن يعمل في هذه الجمهورية على ضوء ما فهمتموه وما شرحناه لكم.
.
في الأسبوع التالي اجتمعت وزارتنا اجتماعها الأول، واستمع الأستاذ إلى برنامج عمل كل وزير.. وأذكر أنني كتبت رغبتي في زيارة القرى "الجمهوريات" المجاورة، مصطحباً معي وزير الداخلية لتنظيم أمور المتسللين والمطلوبين والمهربين، وفي زيارة حدودية ثانية، أصطحب معي وزير الزراعة لتنظيم مناطق الرعي واقتسام المياه، ومرة ثالثة أصطحب وزير التجارة لتنظيم التبادل التجاري، وأن أذهب في مهمات للإطلاع على الأحداث والمشاجرات التي تنشأ بالقرب من جمهوريتنا والعمل على تفادي امتداداتها إلينا. وكان الاستاذ شديد الإعجاب بما كتبت.. بل أخذ دفتري وقرأه على المدرسين أثناء استراحتهم، وصاروا ينادونني فيما بعد باسم "وزير الخارجية".
.
أحببت فكرة كوني وزيرا للخارجية، بل سيطرت على تفكيري، وأصبحت شغلي الشاغل.. وكان عليَّ أن أجهز نفسي لهذا المنصب على مستوى الدولة. وتساءلت وأنا في المرحلة الثانوية: ما هي الصفات والمؤهلات التي يجب أن يتمتع بها وزير الخارجية؟ وتوصلت إلى نتيجة مفادها: أنه يجب أن يكون متنوع الثقافة، ومحدثاً بارعاً لبقاً، حاضر البديهة، عارفاً لغة أجنبية على الأقل وذا فهم عميق للسياستين الداخلية والدولية.
.
استشرت أحد كبار المثقفين ليرشدني ماذا أقرأ حتى أصبح مثقفاً؟ فشرح لي الخطوات التي يجب اتباعها في كل مرحلة عمرية.. وكان عليَّ أن أبدأ بقراءة إنتاج عصر النهضة وكنوز القصص الإنساني العالمي كبداية وركيزة، ثم أتابع كتب التراث القديم في المرحلة الجامعية، مع عدم إغفال القراءات النقدية والفلسفية والأدبية والعلمية، والاهتمام باللغات كنافذة على العالم، وقراءة سير الغابرين ومذكرات المعاصرين، ومتابعة الصحف والمجلات والأحداث السياسية.
.
وفعلاً، أصبحتُ فأر كتب.. ونادراً ما مضى أسبوع ولم أقرأ كتاباً كبيراً، أو كتابين من الحجم المتوسط، وهكذا بقيت في المرحلتين الثانوية والجامعية، حالماً بالدبلوماسية ووزارة الخارجية.
.
بعد التخرج فهمت الحياة أكثر، وفهمت أن هذا المنصب طويل على رقبتي ورقبة غيري لأسباب لا يعرفها إلا الله وأجهزة الأمن.. وهكذا انحلت مشكلة الوزارة التي رافقتني سنوات بفشل ذريع، وخيبة مريرة، وطردتها من ذهني نهائياً، حيث عشت مشكلة ثانية وأفظع من الأولى وهي مشكلة العيش الكريم.
.
ذات صيف منصرم، اجتمعت وزارتنا السابقة اجتماعها الثاني بأغلبية الأعضاء، بعد أن مر ربع قرن على اجتماعها الأول، وتذكرنا طموحاتنا وحكومتنا السابقة.. فرئيس الجمهورية كانت صورته في صدر المضافة وعلى زاويتها شريط أسود.
ورئيس الوزراء مكسور من لبطة بغل لأنه امتهن الزراعة بعد التقاعد.
.
ووزير الداخلية أصبح حداداً.
.
ووزير التربية الذي كتب في واجبه المنزلي قبل ربع قرن [سأعمل على إنشاء جيل متعلم مؤمن بربه ووطنه، وأريد أن أقضي على الأمية في مجتمعي] مازال نصف أمي وصاحب معمل بلاط وطابوق.
.
ووزير الإعلام أصبح صاحب مدجنة.
.
ووزير الدفاع تطوع بالجيش وتقاعد لأسباب مرضية مزورة بعد أن دفع رشوة.
.
وللمصادفة فإن وزير الكهرباء نصف مشلول بسبب صعقة كهربائية أثناء تصليحه الغسالة.
.
ووزير العدل مسجون بسبب مشاجرة مع أقارب زوجته.
.
ووزير الصحة يعيش بكلية واحدة، ومكوي بعنقور رقبته بيد محماس كوصفة علاجية.
.
أما محسوبكم وزير الخارجية فقد جعلت منه الغربة عمارة مهجورة تفتقر لأعمال الصيانة.
.
ما أنبل الطموح... وما أمر الخيبة!
__________________________________________
ملاحظة: صارحت أحد الأصدقاء أيام الثانوي بطموحي للوزارة، فشجعني ونصحني أن أتعلم العزف على الشبابة أو المجوز لزوم الشعبوية والنجومية في الأعراس، وقد راقت لي الفكرة آنذاك.