كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

التوثيق الثقافيّ والفنيّ انعكاسٌ لحضارةِ المُجتمعات

زهير النعمة- حلب- فينكس  

يعدّ التوثيق بمُختلفِ أشكالهِ الفنيّة والثقافيّة والاجتماعية والزراعيّة من أهم الحاجات الضّرورية الّتي تحرصُ المُجتمعات المتطوّرة على القيامِ به، لِما لهُ من أهميّةٍ كبيرة في حفظِ العاداتِ والتّقاليد بمُختلفِ ألوانِها. وبصورةٍ تلقائيّةٍ وعفويّة نجدُ الحبَّ والاندفاع عندَ الأجيالِ الشّابة للتعلُّقِ بحفظِ تلك العادات ومُمارستِها وتطبيقِها، ويقعُ على عاتقِ الجهات المسؤولة والوزارات استقطابُ الخبرات الأدبيّة والفنيّة القديمة كافّة، وفتح المجال لها بمختلفِ الوسائل الإعلاميّة، لكي تنقلَ مخزوناتِها بندواتٍ ومحاضراتٍ وتسجيلاتٍ أمامَ الأجيالِ الشابّة، بُغيةَ الاستمرار بمُمارسةِ تلكَ الطّقوس الجميلة وتطويرها، ومن ثمَّ أرشفتِها وتدوينِها وتسجيلِها حتى لا تضيعَ وتندثر. ومؤخّراً أولَت وزارة الثّقافة السوريّة وبموجب القرار (٤٥) تاريخ 7/١/2021 التّوثيقَ الثقافيّ الأهميّة القُصوى، وقدَّمت لهُ كلَّ مُستلزماتِ الدّعم، وشكَّلَت لهُ لجاناً استشاريّة وفنيّة، وخبراتٍ عدّة، بُغيةَ حفظِ الأرشيفِ السوريّ بمُختلفِ جوانبه.

جابر جاسور مدير ثقافة حلب 1مدير ثقافة "حلب" "جابر الساجور" قال لِـ "فينكس": "لدينا في مدينة "حلب" (٣٦) مركزاً ثقافيّاً، وبفعلِ الحرب تضرّرَ القسم الأكبر منها. وبعدَ التحرير بدأنا مرحلةَ الإعمارِ والتّرميمِ والنّهوض بهذهِ المراكز، والّتي تعدُّ بمثابةِ نقاطِ إشعاعٍ للعلمِ والثّقافة. ونقومُ بذلكَ بالتّعاون مع المديريّات المُختصّة، مثل مُديرية الآثار والجمعيّات الأهلية التي تُعنى بالشأن الثّقافيّ والفكريّ وبحفظِ عناصرِ التّراث اللاماديّ وتوثيقه، من خلالِ اللقاءِ المُباشر معَ الخِبرات المُختصّة، والكفاءات العلميّة والثقافيّة، مثل (الأربعاء الأحمر، القدود الحلبيّة، العمارة الطينيّة، والموشّحات، وغيرهم..)، وجمع الحكايات والأهازيج والعادات والتقاليد، وكلّ ما يضُمّ التّراث السوريّ العريق عبرَ الآلافِ منَ السنين، معَ تأمينِ المَعدّات اللازمة لتشكيلِ فريقٍ موهوب متطوّع من أعضاء مُنتدى "أصدقاء مديريّة الثّقافة" في مجالات الخطّ العربي والفصاحة والشعر لجمعِ التّراثِ اللاماديّ وحفظه، معَ التوجُّه نحوَ المُجتمع الأهليّ بالتّشاركيّة بإقامة الندوات والدورات، الهدفُ منها قيامُ هذهِ الهيئة بوضعِ البرامج والتّصوّرات اللازمة للنشاطِ الثّقافي للوصولِ إلى تفعيلِها وتوثيقِها.

وفيما يخصّ للقُدود الحلبيّة، فإنَّ العملَ على هذا الملفّ كانَ قديماً منذُ العقد الماضي، وعبرَ دعمِ الأمانة السورية للتنمية، كونها مجتمعاً أهليّاً غيرَ حكوميّ، وبالتّعاون مع "وزارة الثقافة" في حصرِ القُدود الحلبيّة، وتقديمِ هذا الملفّ المُهمّ لمُنظّمة "اليونسكو" الذي عرفت قيمتهُ ومكانتهً وأهميّتهُ كجُزءٍ منَ التّراث الإنسانيّ اللاماديّ".  الدكتور الجامعي "محمد حسن عبد المحسن" قال: "التّوثيق ظاهرة حضاريّة في حياةِ الشُّعوب، ومنَ الضروريّ أن يكونَ هناكَ اجتماعات دوريّة في مُديريّات الثقافة، ومرحلة تقييم، سواء أكانت إيجابيّة أم سلبيّة. ورغمَ ذلك، هنالكَ بعضُ المَعوقات مثل عدم توفّر الدّعم الماديّ اللازم للحِفاظ على عمليّةِ التّوثيق بالشّكلِ الأمثل، ولتغطيةِ النّشاطات والفعاليات، حيثُ إنَّ الثقافة أمرٌ مُهمّ. ويُروى عن أحدِ قوّادِ "هتلر" أنّهُ كانَ يقول (عندما تُذكَر الثقافة أمامي أتحسّس مُسدَّسي)". وتابعَ الدكتور "عبد المحسن": "نحنُ أمّة لا تنتهي أنشطتُها، ومنَ الضروريّ أن تُوجَّهَ تلكَ الأنشطة بما يخدِم القضايا المُلحّة التي تتعلّق بالمُجتمعات؛ كعلاقةِ المرأة بزوجِها وأطفالِها وأهلِها وجيرانِها، ومنَ الضروريّ توثيقُ المِهَن اليدويّة، والإشارة إليها؛ مثل المِحراث القديم والحكواتي، وربط كلمة (فستق) في كلّ أنحاء العالم بالفستق الحلبيّ، والقدود الحلبيّة والكَباب الحلبيّ، وطريقة سرد الأمثال الشعبيّة.

ولاشكّ أنَّ دعمَ تلكَ العاداتِ والفُنون الشعبيّة وتوثيقَها ضرورةٌ مُهمّة ومُلحّة يجبُ أن نستمرَّ بها ونحافظَ عليها من خلالِ المُمارسة بينَ أجيالِنا الشّابة، ثمَّ توثيقُها وتسجيلُها، سواء كانَ في المقاهي أو الندوات أو منَ المُحاضرات. ونستطيعُ القول إنَّ إدراجَ مُنظّمة "اليونسكو" للقُدود الحلبيّة على لائحةِ التراث اللاماديّ هوَ تكريمٌ وفخر للفنّ الحلبيّ والسوريّ.   

محمد عبدالله اتحاد الكتاب حلب

أمّا رئيس فرع اتّحاد الكتّاب بمدينة "حلب" السيّد "محمد العبدالله" قال: "من وجهة نظري، وفيما يتعلّق بالتوثيق للتراث اللاماديّ لا توجد لهُ مُقوّمات بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، والأمر يحتاج لإرادة ومُتابعة حثيثة وجهد، فكلّ المؤسّسات الثّقافية والفنيّة جاهزة لتقديمِ ما يلزَم لإنجاحِ هذا المشروع. ونحنُ كفرع اتّحاد كُتّاب عرب لم يتواصل معنا أحد، ولم تطلَب مَشورتنا حتى الآن، ولدينا أفكار، ونحن جاهزونَ لتقديمها إذا ما طُلِبَت منّا التّشاركيّة، ولدينا معرفة واسعة بالتراث، ومعَ ذلك سنقدّم كلّ الدعم وما يلزمُه". ويُضيف: "والتوثيق يحتاجُ إصدارَ دوريّاتٍ ومجلّات، وأفلام، وتسجيلات، وكُتُب، والعًودة إلى كِبار السّنّ، وأخذ الأهازيج منهُم، وسَماعِ حكاياتِهم ومخزونهم الفكريّ وأمثالهم ولو بشكلٍ شفهيّ، حيثُ إنَّ الكثيرَ ممَّا ذكِر لم يوثَّق بعد. و "القُدود الحلبيّة" هيَ جزءٌ مُهمّ منَ التّراث، وليست كُلَّه، وتحتاجُ توثيقاً منهجيّاً يستطيعُ الدّارس أن يعودَ إليه من خلالِ أبواب وعناوين متى شاء، وإدراجُها على لائحة منظّمة "اليونسكو" هوَ إنصافٌ مُستحقّ وفخر للفنّ الحلبيّ والعربيّ.

وأوضحَ الفنّان التشكيليّ "إبراهيم داوود" لِ "فينكس" أنّ هناكَ طرائِق عِدّة للتوثيق، وطبعاً بوجودِ جهاتٍ مُختصّة للتوثيق، على سبيل المثال خلالَ عرضِ أعمالي الفنية في "فرنسا" لإقامةِ معرضٍ شخصيّ طُلبَ منّي وصل للرسوم المدفوعة في بلادي لتُعفى منَ الضرائب لديهم، وطبعاً حتى يتمَّ التوثيق لا بدَّ من آليةِ عمل تبدأ من حفظِ صورةِ العمل الفنّي، معَ كاملِ المعلومات الخاصّة به، وترقيمه، واسم الفنّان والمُقتني، كلّها توضع ضمنَ حاسوب لدى اتحاد الفنانين التشكيليّين. ولا بدَّ منَ العمل لتسويقِ العمل الفنّي، إن كانَ من مُقتنيين أو من دوائر الدولة، وطبعاً يعدُّ ذلك كنزاً دائماً، والاقتناء بحاحة إلى ثقافة، والتي نفتقدها أحياناً. وكما شاهدت في المتاحف الغربية الإقبال الكثيف لأجلِ رؤية العمل الفنيّ، بينما لدينا متحف الفنّ الحديث مُغلَق منذُ فترة طويلة، ولا يُستثمَر، فالتّوثيق عملٌ مُتكامل من ثقافة وآليّة خاصّة لحفظِ المعلومات وتسويق العمل، وحتّى نطلُب منَ الفنان توثيقَ عمله يجب أن ندعمهُ

دار الكتب الوطنية حلب

ونساعدهُ ماديّاً ومعنويّاً.

وأشارَ الفنّان التّشكيليّ "خلدون الأحمد" إلى أنّ الحالة الثقافية التشكيليّة في "حلب" مُزدهرة، ويمكنُ القول إنَّهُ كلَّ شهر تشهدُ "حلب" معرضاً جديداً، ومن خلالِ هذهِ المعارض علينا توثيقُ تلكَ الأعمال، وتنشيطُ فكرةِ الكتابة عن هذهِ الفعاليات التشكيليّة، كي تبقى مَرجِعاً للأجيال  بالزمانِ والمكان، وضرورةِ توثيقها، ولأيّ مدرسةٍ تشكيليّة ينتمي هذا الفنان، فمثلُ ذلك يعزّز من قيمة العمل والحالة التشكيليّة السوريّة.  ونوّهَ إلى الدور المُهمّ للثقافة، والمُلتقيات والمُحاضرات عن الفنّ وأثرهِ في المُجتمع، فبذلك نكون قد عزَّزنا قيمةَ ثقافتِنا في المُجتمع، وفي المجالِ التعليميّ والتثقيفيّ للفنّ التشكيليّ أو في الفُنون الأخرى".

الكلّ باتَ مُجمعاً ومُعترِفاً بضرورةِ الإسراعِ في التّوثيق الثّقافيّ والفنيّ والاجتماعيّ، ورصدهِ من جميعِ جوانبه، معَ تقديمِ كلِّ مُستلزماتِ الدعم اللوجستي لإنجاحه، ومُشاركة الفعاليات والمؤسّسات والوزارات كافّة في التوثيقِ للعاداتِ والتقاليد، والحالات الاجتماعيّة والإنسانيّة في الماضي والحاضر، وضرورة الإسراع بدعوة الخبرات والاستشاريّين وكبار السنّ لسماعِ قصصهِم عنِ التّاريخ بتفاصيلها كافّة بُغيةَ تدوينِها، معَ البحث عن أفضلِ الطرائقِ لذلك.   ويجب ألّا تبقى تلكَ اللجان المُشكَّلة حِبراً على ورق، ويفوتها الزمان في غفلة، فإن أحسنَت مهامَها سيكونُ لديها الكثيرُ منَ الأعمالِ والإنجازاتِ التي تخدمُ بها بلدَها ومُجتمعَها بجمعِها المعلومات والأرشيف التي لا تُقدَّرُ بثَمن

 

النساء السوريات المفقودات.. ماذا حدث حقًا لبتول علوش؟
تاريخ فيضانات وطوفانات نهر العاصي في مدينة حماة
‏أطباء عيادة الأب يعقوب على مائدة الأضحى
‏الطب علم وأخلاق، انتماء ونماء.. د. إمارة غزالي نموذجًا
بعض ما كتب في رحيل المناضل جميل أضنة لي
نيويورك تايمز تنشر تقريراً عن المختطفات العلويات
تحت عنوان”معاً من أجل مستقبل أفضل”: ندوة توعية للمراهقين في المكتبة الأهلية بقرية الجروية بريف صافيتا
الاقتصاد لا يدار على قاعدة مال قبان في سوق الهال
علويات سوريات يروين لبي بي سي قصص الخطف والاعتداء
‏التطوع ثقافة، والعمل قيمة، وخدمة الإنسان غاية
حول الغاز المفترض استيراده من الأردن
مدينة شهبا تستقبل العام الجديد بكارثة خدماتية وإنسانية
السوريون أفرغوا سجون الأسد.. واليوم تعود لتمتلئ مع تفشي الانتهاكات
تعقيب حول تعميم وزارة العدل الخاص بالوصاية القانونية على الأطفال
رسالة قداسة البابا لاوُن الرَّابع عشر بمناسبة اليوم العالميّ التَّاسع والخمسين للسَّلام