وجوه لا تغيب عن ذاكرة السقيلبية.. عيسى الياس، هيبة المعلم وأستاذ الأجيال
2026.06.15
غيث العبد الله
ولد الأستاذ عيسى الياس الياس في السقيلبية بتاريخ 6 شباط 1942، وكان وحيد والديه من جهة الذكور. نشأ في كنف أسرة أحاطته بالرعاية والاهتمام، وترعرع في أجواء اجتماعية وثقافية أغنت شخصيته وأسهمت في تكوينها.
تأثر بوالده السيد الياس العيسى، الذي كان شخصية اجتماعية بارزة في السقيلبية والمنطقة، عُرف بحضوره الفاعل في الشأنين الاجتماعي والخدمي، كما كان شاعراً شعبياً فطرياً يرتجل الشعر المحكي والعتابا ويتقن أداءهما، ويعد من أوائل المساهمين في ترسيخ هذا اللون من التراث الشعبي في السقيلبية ومحيطها.
تلقى الأستاذ عيسى علومه الأولى في المدرسة الأهلية التي كان يديرها المعلم يعقوب الصايغ، حيث أظهر تفوقاً ملحوظاً أهّله للانتقال مباشرة إلى الصف الثالث في مدرسة المعارف الحكومية، وتابع فيها دراسته حتى الصف الخامس الابتدائي.
بعد ذلك انتقل إلى مدينة حمص ليلتحق بالقسم الداخلي في المدرسة الأرثوذكسية الخاصة، حيث أنهى المرحلة الإعدادية، ثم تابع دراسته الثانوية في مدينة حماة، ونال الشهادة الثانوية من ثانوية ابن رشد عام 1959.
خلال فترة الوحدة بين سورية ومصر، أوفد إلى جمهورية مصر العربية بمنحة دراسية من وزارة الخارجية في الجمهورية العربية المتحدة، فالتحق بكلية الآداب في جامعة عين شمس بالقاهرة، ودرس اللغة الإنكليزية.
في عام 1963 عُيّن مدرساً للغة الإنكليزية في مدينة حماة، ثم اتبع عام 1964 دورة تدريبية متخصصة في اللغة الإنكليزية بدمشق. وفي عام 1965 أوفد إلى إنكلترا بمنحة دراسية، حيث حصل على شهادة عليا بدرجة الماجستير، قبل أن يعود إلى سورية لمتابعة رسالته التربوية والتعليمية في تدريس اللغة الإنكليزية.
ويتحدث الباحث الاقتصادي سمير سعيفان، أحد طلابه في السقيلبية، عن تلك المرحلة قائلاً:
"كانت السنة الدراسية 1966-1967 أول سنة يدرّس فيها الأستاذ عيسى الياس مادة اللغة الإنكليزية في السقيلبية، وكنا يومها في الصف التاسع بثانوية الحرس القومي. كان يدرّس في ثانويات حماة، وتعاقدت معه المدرسة في السقيلبية أيضاً، فكان يأتي ثلاث مرات أسبوعياً. وأذكر أن حصتين كانتا تُعقدان مساءً بعد وصوله من حماة، ولم تكن المدرسة مزودة بالكهرباء، فكنا ندرس على ضوء اللوكس. أما الحصة الثالثة فكانت غالباً يوم الجمعة. كان الأستاذ عيسى يقيم أحياناً في حماة وينزل في فندق اليمني بساحة العاصي في شارع القوتلي.
اتسم بالهدوء والصرامة والمثابرة، وكان صاحب اهتمام بالأدب ويمتلك حساً خاصاً من السخرية الهادئة والذكية."
انتهى كلام سمير سعيفان.
يعد الأستاذ عيسى الياس من أبرز رواد التعليم الثانوي في السقيلبية، ومن المعلمين الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة التأسيس والارتقاء بالعملية التعليمية في المدينة. فقد كرّس حياته للتدريس، وأسهم في إعداد أجيال من الطلاب الذين تابع كثير منهم دراستهم الجامعية وتبوأوا مواقع علمية ومهنية مرموقة.
جمع في شخصيته بين الوقار والحزم والالتزام، فكان نموذجاً للمعلم الذي يفرض احترامه بعلمه وسلوكه قبل أي شيء آخر. وقد ترك أسلوبه في التدريس وأدائه التربوي أثراً واضحاً لدى طلابه وزملائه، حتى غدا واحداً من الأسماء التي لا تزال حاضرة في ذاكرة التعليم في السقيلبية.
وبرحيله فقدت المدينة أحد أبرز المدرسين الذين أسهموا في ترسيخ دعائم التعليم الثانوي خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلا أن أثره بقي حياً في ذاكرة طلابه وأبناء مدينته، بوصفه معلماً ومربياً ترك بصمة راسخة في مسيرة التربية والتعليم.
لعل في ذاكرة كل واحد منكم موقفاً أو قصة أو كلمة ما زالت عالقة عن الأستاذ عيسى الياس. نرجو ممن عرفه أو درس على يديه أن يشاركنا ما يتذكره عنه في تعليق، لتبقى هذه الذكريات جزءاً من الذاكرة الجماعية لمدينتنا.