اللعنة على نومنا الطويل!
2026.02.15
ريتا خير بك
هل نتذكر نضال جنود بما فيه الكفاية؟
مع اقتراب السابع من آذار، لا يكفي أن نستعيد أسماء شهداء تلك المجزرة فقط. هناك موت بعينه يجب أن يُقال بصوتٍ أعلى، لأنه لم يكن موتَ فردٍ فقط، بل كان إشعاراً مبكراً بأن الجمهورية التي أحببناها أكثر مما أحببنا أنفسنا، قد لا تعترف بنا حين نحتاج اعترافها.
أتحدث عن نضال جنود.
لا أريد أن أستخدم مشاعري كحجة أعرف خطورة ذلك. لكنني لا أستطيع أيضا أن أخون ما رأيته في وجوه الناس يومها.
يوم ذُبح نضال جنود في سوق الهال في بانياس على صيحات الله اكبر، لم أشهد حزناً عادياً. كان هناك شيء أقسى: ارتدادُ ذاكرة أقدم من الحدث نفسه، كأن الجسد يعرف قبل العقل، وكأن الجينات تتذكر ما ظنناه منسياً.
ذلك اليوم أيقظ في داخلي شعوراً لا يشبه السياسة ولا يشبه النقاشات التلفزيونية: شعور أجيالٍ كاملةٍ عاشت دائماً على حافة الفناء حتى حين كانت تبتسم وتعمل وتؤدي واجبها وتقول نحن أبناء الدولة”.
ومع ذلك كم تأخرنا عن فهم الإشارة.
نضال جنود لم يُقتل لأنه ارتكب جرماً، ولم يُذبح لأنه كان “طرفاً” في حرب. نضال جنود ذُبح لأنه علوي. هذه الجملة وحدها ببرودها المرعب كان ينبغي أن تكون جرس الإنذار الذي لا يسمح لأحدٍ بالعودة إلى النوم.
لكننا عدنا.
لأننا كنا أولاد الجمهورية أكثر مما كنا أبناء أنفسنا.
آمنا بالدولة قبل أن نؤمن بذاتنا الجمعية. انصهرنا في كيانها حتى نسينا أن لنا كياناً، وتوهمنا أن الذوبان حماية، وأن الولاء صكُّ نجاة، وأن “المواطنة” وحدها تُسكت السكين.
كنا نبحث عن براءةٍ سياسية: أن نُثبت أننا “غير طائفيين”، أن نُقسم للعالم أن الشعب لا يكره أحداً، وأن الجريمة حادثٌ فرديّ، وأن الدم لا يعني شيئاً في ميزان الشعارات.
وهكذا، بدل أن نقرأ الذبح كرسالة تهديدٍ وجوديّ لجماعة بشرية، قرأناه على انها تفاصيل مؤسفة لا يجوز البناء عليها… كي لا نُتهم.
اتهمونا بالطائفية يومها. كأن الضحية تُدان لأنها سمّت سكينها.
الحقيقة الأكثر قسوة هي هذه:
كانت هناك حوادث كثيرة كان يمكن أن توقظنا كجماعةٍ مهددة… لكن الإيمان بالجمهورية حال دون ذلك.
ليس لأن “الجمهورية” فكرة سيئة بالضرورة، بل لأننا تعاملنا معها كأب رمزيّ لا يخطئ: أبٍ يمنح الشرعية، ويصنع الهوية، ويقرر من يستحق أن يُرى ومن يستحق أن يُمحى.
وكان ينبغي نعم، كان ينبغي أن نقتل هذا الأب في المخيال الرمزي:
أن نكف عن انتظار الاعتراف منه، وأن نتوقف عن طلب الإذن كي نُسمّي خوفنا خوفاً، وجرحنا جرحاً، ووجودنا وجوداً.
أن نفهم أن الدولة ليست أما، وأن الجمهورية ليست قدّيسة، وأن الشعارات لا توقف المقصلة.
هنا تتكلم هانا أرندت بلغةٍ لا تعرف التجميل:
“الحق أن يكون لك حقوق”.
وهذا الحق لا يُمنح لمن يُدفن صوته تحت مواعظ “الوحدة” حين يكون المقصود من الوحدة أن نصمت.
الحق في الحقوق يبدأ حين نُرى كذواتٍ لا كهوامش، كجماعةٍ لها ذاكرة، لا ككتلةٍ يُطلب منها دائماً أن تذوب كي تُغفَر لها الحياة.
اليوم، بعد كل ما انكشف، وبعد كل ما تعلّمناه بالطريقة الأكثر وحشية، لا يعود مقبولاً أن نكرر الجملة القديمة: “نحن سوريون أولا ثم علويون لاحقاً”.
لأن لاحقا هذه كانت دائماً متأخرة عن السكين.
لأن الإبادات لم تُعلّمنا شيئاً حين أصررنا أن نقرأها كاستثناءات.
والآن حان الوقت أن تُعلّمنا الإبادات بمرارتها كيف نفكر، وكيف نتحالف، وكيف نضع حدوداً للانخداع.
نعم حان أن نفكر بأننا علويون: أولاً وثانياً وثالثاً لا كتعصبٍ ولا كدعوة كراهية بل كوعي بقاءٍ وحقٍ وكرامة.
ثم بعد ذلك: مواطنون، وأقلية داخل دولة، وشركاء داخل عقدٍ سياسي إذا وجد عقد أصلاً.
أكتب هذا المنشور وأنا أشعر بالخجل: كم تأخرنا.
كم احتجنا من دم كي نفهم أن بعض الدروس لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر في اللحم.
وأكتب وأنا أريد من هذا النص أن يوجع، لأننا لا نحتاج نصاً متوازناً بقدر ما نحتاج نصاً يوقظ.
لهذا أسأل لا كاستطلاعٍ عابر، بل كاستدعاءٍ للذاكرة:
احكوا لنا:
ماذا شعرتم يوم ذبح نضال جنود؟
وماذا رأيتم في وجوه آبائكم وأمهاتكم، في عيون الكهول والمسنين، في ارتعاش الأصوات؟
هل تذكرون تلك اللحظة التي بدا فيها كأن الخوف ليس فكرة… بل ميراثٌ قديم خرج من القبر؟
لأننا إن لم نُمسك هذه الذاكرة الآن بكل قسوتها سنعود إلى النوم مرة أخرى.
وعندها، لن تكون الذكرى مجرد اسم. ستكون فاتورة جديدة من لحمنا نحن.