البلطجية الأمريكية ومنطق "الحق للقوة لا القوة للحق".. اعتقال مادورو وزوجته وتأثيره على النظام العالمي
2026.01.04
مروان حبش
في خطوة جديدة من مسلسل التدخلات الأمريكية في شؤون الدول السيادية، جاء خبر اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ليضيف فصلاً آخر في سجل طويل من الاعتداءات على سيادة الدول. هذه الحادثة، التي جرت في إطار عمليات كانت تُسمى "مكافحة الإرهاب" و"إرساء الديمقراطية"، تحمل في طياتها دلالات خطيرة على مستقبل العلاقات الدولية والنظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. هل أصبحت الولايات المتحدة هي الحكم والمُنفذ، تقرر من هو "الشرير" ومن هو "البطل"، دون مراعاة لأي نوع من الشرعية الدولية أو الحقوق السيادية للدول؟
منذ تأسيس الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، كان الهدف الرئيس من هذه المؤسسة هو منع الحروب والتصدي للتجاوزات الكبيرة في مجال حقوق الإنسان، وضمان السلم والأمن الدوليين. فقد كانت الأمم المتحدة تهدف إلى تعزيز مبدأ "السيادة الوطنية" وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو المبدأ الذي شكل حجر الزاوية في النظام الدولي المبني على أسس قانونية توافقية.
لكن على مدار العقود الماضية، أصبحت الولايات المتحدة تُفَسِّر وتُنفِّذ هذا النظام كما يحلو لها، متجاهلة الاتفاقات الدولية والمبادئ التي أسستها الأمم المتحدة. فمنذ غزو العراق عام 2003، الذي كان خارج إطار تفويض الأمم المتحدة، إلى الاعتقالات السياسية مثل تلك التي تعرّض لها الرئيس الفنزويلي مادورو، يظهر بوضوح أن واشنطن تتبع منطقاً يقوم على "الحق للقوة لا القوة للحق". في هذا السياق، تصبح القوة العسكرية الأمريكية هي المعيار الرئيسي لتحديد "الشرعية" في العلاقات الدولية.
في حادثة الاعتقال الأخيرة، مجزرة للنظام العالمي وتراجع عن القيم العالمية. تعكس الأساليب الأمريكية في التعامل مع الدول المتمردة على هيمنتها من خلال الهجوم المباشر أو الضغط السياسي. الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي يعتبره البعض بطلاً من أبطال اليسار في أمريكا اللاتينية، يتعرض لحملة من الضغوطات الأمريكية التي تحاول إجباره على التنحي عن السلطة منذ عدة سنوات. الحجة التي تقدمها واشنطن هي حماية "الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، لكن في الحقيقة، يمكن القول إن الولايات المتحدة تتبنى هذا الخطاب من أجل تحقيق مصالحها الجيوسياسية في المنطقة.
يأتي الاعتقال في سياق ضغط اقتصادي مستمر على فنزويلا، التي تمر بأزمة اقتصادية خانقة نتيجة للعقوبات الأمريكية. فإذا كان الاعتقال يشكل مسعى لتحجيم سيادة فنزويلا، فإنه يفتح الباب أمام سلسلة من العمليات المتكررة من التدخلات الخارجية التي قد تكون مدمرة للنظام العالمي القائم.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتدخل فيها الولايات المتحدة في شؤون دولة ذات سيادة. ففي عام 1989، قامت الولايات المتحدة بغزو بنما واعتقال رئيسها مانويل نورييغا، متجاهلة أي تفويض دولي من الأمم المتحدة. كان الهدف المُعلن للغزو هو مكافحة تجارة المخدرات، لكن الدوافع الحقيقية كانت مرتبطة بتأمين مصالح الولايات المتحدة الاقتصادية والجيوسياسية في المنطقة.
ومن ثم، كان غزو العراق في 2003 هو المثال الأبرز على تجاوز الولايات المتحدة للشرعية الدولية. رغم غياب التفويض من الأمم المتحدة، قامت واشنطن بغزو العراق بحجة وجود أسلحة دمار شامل، وهو ما ثبت لاحقًا أنه كان مبرراً زائفاً. هذا التدخل لم يؤدي فقط إلى انهيار النظام العراقي، بل خلق بيئة من الفوضى والصراعات المستمرة حتى اليوم.
كلما تكررت هذه الأفعال، كلما تآكل النظام الدولي الذي أسس بعد الحرب العالمية الثانية. ففي وقت كان فيه المجتمع الدولي يراهن على الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتحقيق الاستقرار العالمي، باتت الولايات المتحدة تُصر على أن مصالحها الخاصة تبرر تجاوز النظام الدولي بأسره. هذا الأمر يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى فاعلية المؤسسات الدولية في مواجهة القوى العظمى، وكيف يمكن للدول الصغرى أو المتوسطة أن تحمي سيادتها في هذا السياق.
مع تصاعد وتيرة التدخلات الأمريكية في الشؤون الداخلية للدول، تزداد حالة القلق الدولي حول مستقبل النظام العالمي. الدول التي قد تجد نفسها في مرمى التدخلات الأمريكية ستسعى، بلا شك، إلى تقوية تحالفاتها مع القوى الصاعدة الأخرى، مثل الصين وروسيا، في محاولة للحد من تأثير الهيمنة الأمريكية. كما أن هذا النوع من التصرفات قد يعزز دعوات إصلاح الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن، الذي يواجه انتقادات شديدة بسبب النظام الذي يعطي بعض الدول ومنها الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) في القضايا الكبرى.
من جانب آخر، قد تشهد الساحة الدولية تصاعداً في النزاعات الإقليمية، حيث تبدأ دول العالم في التسلح بأنظمة دفاعية أكثر قوة لتواجه التهديدات المحتملة من القوى الكبرى. وقد تخلق هذه الظاهرة بيئة أكثر توتراً في العلاقات الدولية، مما يزيد من احتمالية حدوث صراعات مسلحة أو نزاعات بالوكالة.
وبالإجمال، إن الاعتقالات الأخيرة للرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته تثير تساؤلات كبيرة حول مشروعية التدخلات الأمريكية في شؤون الدول الأخرى، خاصةً في ظل غياب أي تفويض من الأمم المتحدة. ما نشهده اليوم هو تصعيد واضح في استخدام القوة كوسيلة لتبرير الحق، وهو ما يُهدد النظام الدولي الذي أسس بعد الحرب العالمية الثانية. الدول، في ظل هذا السياق، يجب أن تتحرك نحو تعزيز تحالفاتها الإقليمية والدولية، وتكثيف جهودها من أجل إصلاح النظام الدولي بما يضمن حماية سيادتها واستقلالها.