التحوّل ليس خيانة.. بل اختبار شجاعة
2026.04.01
كتب مصطفى المقداد
في عالمٍ مأزومٍ حتى العظم، لم تعد المشكلة في تبدّل المواقف، بل في الإصرار عليها رغم سقوطها.
لم يعد الخطر في أن يُراجع الإنسان قناعاته، بل في أن يحتمي بها كجدارٍ أخير، حتى بعد أن تتحول إلى عبءٍ أخلاقي وفكري.
السياسة اليوم لا تُكافئ الحقيقة، بل تُكافئ الثبات الشكلي. تُصفّق لمن يكرر ذاته، وتُشهّر بمن يعيد التفكير. كأنّ الاعتراف بالتغيّر ضعف، وكأنّ الجمود فضيلة. لكن ما يُقدَّم بوصفه “ثباتاً ” ليس في كثير من الأحيان سوى خوفٍ مُقنّع: خوف من الاعتراف، خوف من الخسارة، خوف من إعادة تعريف الذات.
حين قال مهاتما غاندي إن معرفته اليوم تتفوق على معرفته بالأمس، لم يكن يدافع عن تناقض، بل كان يُدين ثقافةً كاملة تُقدّس الثبات حتى لو كان على حساب الحقيقة. كان يقول، ببساطةٍ جارحة: إن العقل الذي لا يتغيّر، عقلٌ توقّف عن الحياة.
عقيدة الثبات… كذبة مريحة
لقد تحوّل “الثبات على المبدأ” إلى عقيدة سياسية تُستخدم لتبرير كل شيء، من الأخطاء الصغيرة إلى الكوارث الكبرى. يُطلب من الأفراد أن يكونوا أوفياء لمواقفهم، لا لضمائرهم. أن يدافعوا عن آرائهم، لا أن يختبروها.
لكن أي قيمة أخلاقية في موقفٍ ثبت زيفه؟
وأي شرفٍ في الدفاع عن فكرةٍ تبيّن أنها تُنتج الخراب؟
إن التمسك بالموقف بعد سقوط مبرراته ليس وفاءً، بل عجز عن الاعتراف. هو شكلٌ من أشكال الكسل الأخلاقي، حيث يُفضّل الإنسان الاتساق مع ماضيه على الصدق مع حاضره.
وفي زمن الاستقطاب الحاد، يصبح التراجع عن موقفٍ خاطئ فعلاً راديكالياً . فالعالم منقسم إلى معسكراتٍ لا تسمح بالمنطقة الرمادية، ولا تغفر التحوّل. كل مراجعة تُفسَّر خيانة، وكل شكّ يُعامل كضعف.
لكن الحقيقة أن المراجعة هي الشكل الأعلى من أشكال المسؤولية. هي إعلان أن الإنسان ليس أسيراً لما كان يعتقد، بل قادر على إعادة بناء نفسه وفق ما يتعلمه. هي، في جوهرها، مقاومة للقطيع، وتمرد على اليقين الزائف.
الذي يغيّر موقفه لأنه فهم أكثر، لا يخون… بل يتحرر.
غير أن هذا الدفاع عن التغيير لا يمكن أن يكون مفتوحاً بلا شروط. فالعالم مليء أيضًا بتغيّراتٍ انتهازية، تُبدّل مواقعها لا قناعاتها، وتبحث عن النجاة لا عن الحقيقة.
الفرق واضح، وإن حاول البعض طمسه:
المراجعة الصادقة تُكلّف صاحبها، وقد تعزله.
أما الانتهازية، فتُكافئ صاحبها، لأنها تتكيّف بلا مقاومة.
الأولى تنطلق من معرفة أعمق، والثانية من حساباتٍ أضيق.
الأولى تعيد بناء الذات، والثانية تعيد تموضعها فقط.
من يرفض التغيّر.. يختار العمى
ليست المشكلة في أن يتغيّر الإنسان، بل في أن يرفض التغيّر حين تفرضه الحقيقة. في أن يرى التصدعات في أفكاره، ثم يختار تجاهلها. في أن يعرف، ثم يُصرّ على ألّا يعرف.
ذلك ليس ثباتاً.. بل نوعٌ من العمى الإرادي.
في لحظةٍ تاريخية تتهاوى فيها السرديات الكبرى، وتتبدّل موازين القوة والمعنى، يصبح التمسك الأعمى بالمواقف ليس فقط خطأً فكرياً، بل خطراً سياسياً. لأن القرارات التي تُبنى على قناعاتٍ ميتة، لا تنتج إلا واقعاً أكثر موتاً.
الخلاصة: الشجاعة أن تتغيّر
في النهاية، لا يُقاس الإنسان بما كان عليه، بل بقدرته على أن يكون أفضل مما كان. ولا تُقاس المواقف بصلابتها، بل بمدى قدرتها على الصمود أمام الحقيقة.
التغيّر ليس تهمة.
التغيّر، حين يكون صادقاً وصحيحاً وأرقى أخلاقاً، هو أعلى درجات النزاهة.
أما الثبات الذي يُصفَّق له اليوم…
فغالباً ما يكون مجرد طريقةٍ أنيقة للبقاء على الخطأ.