الدكتور نور الدين الأتاسي.. حين دفع الوطن ثمن موقفه
2026.08.30
د. صلاح قيراطة
في 28 آب من العام ١٩٩٢ خرج الدكتور نور الدين الأتاسي من سجن المزة بعد اثنين وعشرين عامًا من الاحتجاز...
خرج الرجل الذي دخل السجن رئيسًا لسورية، وخرج منه جسدًا أنهكه المرض، لكنه لم يخرج منهزمًا في قناعته...
كان الأتاسي واحدًا من أولئك الذين اصطدموا مبكرًا بفكرة تحويل الدولة إلى سلطة مغلقة، ورأى أن سورية لا يمكن أن يكون مستقبلها في ظل حكم الفرد والاستبداد، وحين جاءت أحداث عام 1970، اختار أن يقف بعيدًا عن المشروع الجديد، رافضًا أن يمنح شرعيته لمنظومة لم يؤمن بها...
لم يكن السجن بالنسبة إليه مجرد جدران وأبواب مغلقة؛ كان سنوات طويلة من العزلة، والتأمل، ومراجعة التجربة السياسية التي عاشها، وحين أُخرج في عام 1980 إلى أحد القصور التابعة للدولة، لم يكن ذلك تكريمًا ولا إفراجًا، بل كان محاولة لفتح قناة تفاوض معه، ووضعه عمليًا تحت الإقامة الجبرية.
جاءه محمد الخولي، مبعوث حافظ الأسد، طالبًا منه تأييد النظام، وكان بإمكان رجل أنهكته سنوات السجن أن يختار الصمت، أو أن يقدم تنازلًا صغيرًا يفتح له باب الحرية ( لكنه رفض )...
كان يرى أن السنوات التي قضاها خلف القضبان لم تبدل قناعته، بل عمقتها؛ وأن إصلاح نظام يقوم على الاستبداد ليس طريقًا واقعيًا، وأن سورية لا يمكن أن تجد مستقبلها الحقيقي إلا في دولة ديمقراطية، وهنا ربما كان الخوف الحقيقي منه. .
لم يكن الخوف من رجل بلا سلطة، فقد جُرد من منصبه ومن حريته منذ سنوات، وإنما من رجل يحمل تجربة سياسية طويلة، وقد يخرج من سجنه ليقول ما رآه، وما أدركه، وما انتهى إليه بعد عقود من العمل السياسي والصراع داخل الدولة والحزب، لذلك بقي السجن مفتوحًا على سنوات أخرى...
اثنان وعشرون عامًا مرّت على رجل كان قد تولى رئاسة سورية بين عامي 1966 و1970، قبل أن تنتهي تلك المرحلة باعتقاله في منزله ليلة 22 كانون الأول 1970، في حملة طالت عددًا من قيادات الحزب والدولة، بعد ما عُرف لاحقًا بـ( الحركة التصحيحية ) وكنت نحن البعثيون نقول في لقاءاتنا همسا ( الحركة التحريفية )...
وكان الأتاسي قد ابتعد عن موقع الرئاسة قبل اعتقاله بنحو شهرين، احتجاجًا على تدخل الجيش المتزايد في الحياة السياسية، وعلى الخلافات التي سبقت المؤتمر العاشر الاستثنائي الذي انتهى بانقلاب وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد...
ثم جاءت سنوات السجن الطويلة، ثقيلة وقاسية، حتى بدأ الجسد يدفع ثمنًا آخر للموقف...
تروي شهادات عن تلك المرحلة أن الأتاسي تعرض لنوبة قلبية داخل سجن المزة، وأن الاستجابة الطبية تأخرت، بل إن الطبيب الذي أُحضر إليه في البداية كان طبيب أسنان، قبل أن يتبين لاحقًا في المستشفى أنه مصاب بسرطان المريء...
وحين جاء الإفراج أخيرًا، في 28 آب 1992، لم يكن الإفراج بداية حياة جديدة بقدر ما كان السماح المتأخر لرجل أنهكه السجن والمرض بأن يغادر...
أُرسل إلى فرنسا للعلاج، لكن المرض كان قد تجاوز حدود العلاج، وصل إلى باريس وهو عاجز عن السير والكلام تقريبًا، ولم تمضِ سوى أيام حتى فارق الحياة، بعد رحلة امتدت اثنين وعشرين عامًا بين جدران السجن، ثم أسابيع قليلة خارجها...
رحل نور الدين الأتاسي في فرنسا، ودُفن في حمص، المدينة التي أحبها وعاد إليها في النهاية جسدًا، بعدما تعذر عليه أن يعود إليها حيًا...
وفي ذكرى رحيله، كتبت ابنته آية نور الدين الأتاسي كلمات لا تطلب من أحد أن يتبنى أفكار أبيها أو أن يوافق على خياراته السياسية، وإنما تطلب شيئًا أكثر إنصافًا:
أن يُقرأ تاريخ الرجل بعيدًا عن الخصومة السياسية، وأن يُنظر إلى سنواته ومواقفه باعتبارها تجربة إنسان وطني، أخطأ وأصاب كما يخطئ ويصيب كل سياسي، لكنه دفع ثمنًا باهظًا لما آمن به...
قد نختلف مع نور الدين الأتاسي في أفكاره، وقد نختلف مع تجربته السياسية، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يمحو الإنسان من التاريخ، ولا أن يحوّل السجن إلى وسيلة لإسكات الفكرة...
اثنان وعشرون عامًا من العمر لا يمكن اختصارها في سطر..
ورجل دخل السجن رئيسًا وخرج منه مريضًا يحتضر، ثم مات بعد أسابيع، يترك وراءه سؤالًا أكبر من سيرته الشخصية:
- كم كان يمكن لسورية أن تكون مختلفة لو اختارت يومًا طريق السياسة بدل السجن، والحوار بدل الإقصاء، والديمقراطية بدل الاستبداد؟..
ربما لا نملك جوابًا عن السؤال، لكننا نملك واجبًا واحدًا:
ألا نسمح للتاريخ أن يُكتب مرة أخرى بالطريقة ذاتها.