كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قولٌ في السياسة ومرجعياتها

مروان حبش

لا يمكن للسياسة أن تزدهر أو تؤدي وظيفتها التاريخية والأخلاقية إذا بقيت حبيسة ذاتها، منغلقة على أدوات السلطة وآليات الحكم وحدها. فالسياسة، في جوهرها، ليست مجرد إدارة للمصالح أو صراع على النفوذ، بل هي فعل إنساني جماعي لا يكتسب معناه إلا حين يستند إلى نقاط مرجعية خارجية تضبط اتجاهه وتمنحه الشرعية. وأهم هذه المرجعيات هي الحقيقة ومفهوم الصالح العام. وعندما يغيب هذان المرجعان، تتحول السياسة إلى تقنية فارغة، وتبدأ المجتمعات في الانهيار، ولو بدا ظاهرها في حالة استقرار مؤقت.
القول إن السياسة تحتاج إلى نقاط مرجعية خارج ذاتها يعني الاعتراف بأن السلطة، إذا تُركت لتبرر نفسها بنفسها، ستنتهي حتماً إلى الاستبداد أو العبث.
الحقيقة هنا ليست مجرد معطى تقني أو إحصائي، بل هي أفق معرفي وأخلاقي يسمح بالتمييز بين ما هو نافع وما هو مضلل، بين ما يخدم المجتمع وما يخدم فئة بعينها. السياسة التي لا تُقاس بالحقيقة، ولا تُحاسَب بمعايير أخلاقية ومعرفية مستقلة عنها، تصبح مجرد أداة لإعادة إنتاج القوة. وعندما تنفصل السياسة عن الحقيقة، تنتشر الدعاية، ويُعاد تشكيل الواقع وفق رغبات السلطة، لا وفق حاجات الناس.
أما الصالح العام فهو المرجعية الأعمق التي تمنح السياسة معناها الإنساني. فبدونه، لا تعود السياسة سوى ساحة لتوازنات المصالح الخاصة، أو إدارة باردة للأزمات دون رؤية. الصالح العام ليس مجموع المصالح الفردية، بل هو الإطار الذي يضمن العدالة، والكرامة، والمشاركة، واستمرارية الجماعة السياسية.
وعندما يغيب هذا المجال عن السياسة، تنهار المجتمعات لا دفعة واحدة، بل تدريجيًا: تنهار الثقة، ثم التضامن، ثم الإحساس بالمصير المشترك. ويصبح المواطن مجرد متلقٍ للقرارات، لا شريكًا في صياغتها، فتتحول الدولة من كيان جامع إلى سلطة مفروضة.
منذ البدايات الأولى للفكر السياسي، لم تُفهم السياسة بوصفها ممارسة تقنية محايدة، بل باعتبارها نشاطاً إنسانياً مشروطاً بمرجعيات تتجاوز ذاتها. وقد أدرك الفلاسفة الكبار أن السياسة، إن لم تُقِم نفسها على مرجعيات خارجها، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى أداة هيمنة. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة فكرة الحاجة إلى هذه المرجعيات للسياسة بوصفها خيطاً ناظماً يمتد من الفكر اليوناني الكلاسيكي، مروراً بالفلسفة السياسية الحديثة، وصولاً إلى تنظيرات المجال العمومي المعاصرة.
أرسطو والسياسة كتحقيق للخير الأسمى
يضع أرسطو في كتابه السياسة الأساس الفلسفي الأول لفكرة المرجعية الخارجية، حين يؤكد أن المدينة (البوليس) وُجدت «من أجل الحياة الفاضلة». فالسياسة، عنده، لا تُقاس بقدرتها على الضبط أو السيطرة، بل بمدى تحقيقها لـلخير الأسمى.
وهنا تتجلى المرجعية بوضوح، الخير ليس نتاج القرار السياسي، بل هو سابق عليه، وهو ما يجب أن يهتدي به الحكم. فإذا انفصلت السياسة عن مفهوم الخير، فقدت غايتها وتحولت إلى إدارة للمصالح. إن أرسطو يربط السياسة بالأخلاق ربطًا عضويًا، جاعلًا من الفضيلة معيارًا للحكم على القوانين والأنظمة، لا العكس.
بركليس والمواطن الحَكَم
تأتي مقولة حاكم أثينا "بركليس" من القرن الخامس قبل الميلاد لتجسّد هذا التصور الأرسطي في ممارسة سياسية واقعية، حين يعلن أن القدرة على الحكم على السياسة ليست حكراً على من يصنعها. فالمواطن، حتى وإن لم يكن مشاركاً مباشراً في صنع القرار، يظل قادراً على تقييمه وفق معايير مشتركة.
وهذا لا يفترض فقط وجود مواطن واعٍ، بل وجود حقيقة سياسية مشتركة وتصور للصالح العام يسمحان بهذا الحكم. فلو كانت السياسة بلا مرجعيات، لما أمكن للمواطن أن يحاكمها أصلاً، ولتحول الحكم عليها إلى مسألة ولاء أو قوة، لا عقل ونقد.
في هذا السياق، تكتسب مقولة بركليس دلالة عميقة حين قال: (على الرغم من أن القليل فقط هو الذي ينشئ السياسة، إلا أننا جميعًا لقادرون على الحكم عليها).
هذا القول لا يعبر فقط عن ثقة بركليس بالمواطن الأثيني، بل يكشف عن تصور متقدم للسياسة باعتبارها شأناً عاماً يخضع للمساءلة العقلية والأخلاقية. فبركليس يميز بين من يمارس السياسة فعلياً ومن يمتلك القدرة على تقييمها، رافضاً احتكار الفهم السياسي من قبل النخب.
وهنا تتجلى المرجعيات الخارجية بوضوح، فحكم المواطنين على السياسة لا يتم من داخل منطق السلطة، بل من خلال معايير الحقيقة والصالح العام. المواطن لا يحتاج أن يكون حاكماً ليحكم على عدالة القرار أو انحرافه، بل يحتاج إلى وعي أخلاقي وإحساس بالمصلحة المشتركة.
إن الربط بين فكرة المرجعيات الخارجية ومقولة بركليس يكشف أن ازدهار السياسة مرهون بقدرتها على البقاء مفتوحة أمام المجتمع، خاضعة للنقد، ومتصلة بأفق يتجاوزها. وعندما تنفصل السياسة عن هذا الأفق، تفقد قدرتها على التجديد، وتتحول إلى نظام مغلق، سرعان ما ينهار تحت وطأة فقدان المعنى.
لقد أدرك بركليس، في تجربته الديمقراطية المبكرة، أن قوة أثينا لم تكن في مؤسساتها فقط، بل في قدرة مواطنيها على الحكم على السياسة، أي في وجود فضاء عام تُقاس فيه القرارات بميزان الحقيقة والصالح العام.
حنّة أرندت والسياسة كفضاء ظهور
مع الفيلسوفة الألمانية حنّة أرندت، يكتسب مفهوم الصالح العام بعداً جديداً. فالسياسة، في نظرها، لا تقوم أساساً على الإدارة، بل على الفعل والكلام في فضاء عمومي مشترك. هذا الفضاء هو المجال الذي تظهر فيه الحقيقة بوصفها نتاجاً للتعددية والحوار، لا بوصفها أمراً تفرضه السلطة.
تُحذّر أرندت من اختزال السياسة في البيروقراطية أو في منطق الضرورة، لأن ذلك يؤدي إلى تدمير المجال العمومي، أي إلى إقصاء الصالح العام من السياسة. وعندما يغيب هذا المجال، لا ينهار النظام السياسي فقط، بل يُفرَّغ الإنسان من كونه كائناً سياسياً، ويُختزل إلى مجرد كائن مُدار.
هابرماس والعقل التواصلي
أما الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، فيقدّم صياغة معاصرة ودقيقة لفكرة المرجعيات الخارجية عبر مفهوم العقل التواصلي والمجال العمومي. فالسياسة الديمقراطية، عنده، لا تكتسب مشروعيتها من القوة أو الإجراء، بل من قدرتها على الصمود أمام نقاش عقلاني حر يسعى إلى الحقيقة ويهدف إلى المصلحة العامة.
هنا تصبح الحقيقة والصالح العام نتاجاً لعملية تواصلية، لكنها تظل في الوقت ذاته معياراً حاكماً للسياسة، لا مجرد نتيجة لها. وحين تنفصل السلطة عن هذا المجال التواصلي، تتحول السياسة إلى تقنية إدارة، وتبدأ شرعيتها في التآكل، حتى وإن حافظت على شكلها المؤسسي.
انهيار المجتمعات عند غياب المرجعيات
من أرسطو إلى هابرماس، يتكرر التحذير نفسه بصيغ مختلفة: السياسة التي تنفصل عن الحقيقة وعن الصالح العام تفقد قدرتها على بناء مجتمع متماسك. فغياب المرجعيات لا يؤدي فقط إلى فساد الحكم، بل إلى تفكك المعنى المشترك الذي يربط الأفراد بعضهم ببعض.
وهنا يمكن فهم فكرة انهيار المجتمعات لا بوصفها حدثاً فجائياً، بل بوصفها عملية صامتة تبدأ حين يُختَزل المواطن إلى متلقٍ، وتُختَزل السياسة إلى أداة، ويُلغى المجال الذي يُحاكم فيه القرار باسم العقل العام.
إن دعم السياسة بمرجعيات خارجية ليس مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرط وجودها ذاته. فكما رأى أرسطو، لا سياسة بلا خير؛ وكما جسّد بركليس، لا حكم بلا مواطن قادر على التقييم؛ وكما أكدت أرندت، لا سياسة بلا فضاء عمومي؛ وكما نظّر هابرماس، لا شرعية بلا تواصل عقلاني.
وهنا تتجلى المرجعيات الخارجية بوضوح، فحكم المواطنين على السياسة لا يتم من داخل منطق السلطة، بل من خلال معايير الحقيقة والصالح العام. المواطن لا يحتاج أن يكون حاكماً ليحكم على عدالة القرار أو انحرافه، بل يحتاج إلى وعي أخلاقي وإحساس بالمصلحة المشتركة.
إن السياسة السليمة لا تقوم على المهارة وحدها، ولا على القوة، بل على المرجعيات التي تضبطها. فالحقيقة تمنعها من السقوط في الوهم، والصالح العام يحميها من الانحراف نحو الأنانية الجماعية أو الفئوية. وحين يغيب هذان المرجعان، لا تنهار السياسة فحسب، بل ينهار المجتمع ذاته. وعليه، فإن ازدهار السياسة مرهون ببقائها مفتوحة على الحقيقة، وعلى مفهومٍ للصالح العام لا تصنعه السلطة وحدها، بل يتشكل في الفضاء المشترك الذي يحمي المجتمع من الانهيار.
ومن هنا، تبقى مقولة بركليس شاهداً تاريخياً وفلسفياً على أن السياسة، مهما تعقدت، تظل فعلاً إنسانياً مشتركاً، لا يزدهر إلا حين يكون خاضعاً لحكم العقل العام، لا لإرادة السلطة وحدها.