شمبانيا وجاسوس في أرض الكنانة
علي سليمان يونس
في مطلع الستينيات، كانت مصر تسعى جاهدة على إكمال مشروع الصواريخ الذي كان مهم جداً وتطوير الجيش في أسرع وقت.
وفي قلب كل هذا الحراك، ظهر رجل يبدو وكأنه هارب من فيلم سينمائي.
فولفغانغ لوتز، ألماني ثري، ضابط سابق في سلاح الفرسان النازي، يعشق الخيول، ويكره الشمعونية، ويحب مصر والمصريين (هكذا ادعى).
دخل لوتز مصر عام 1961 تحت غطاء رجل أعمال ألماني يريد الاستثمار في تربية الخيول.
وبفضل الأموال التي معه وإنفاقه الباذخ، استطاع اختراق الطبقة المخملية في القاهرة.
افتتح نادياً للفروسية، وأصبح صديقاً مقرباً لكبار ضباط الجيش والشرطة المصريين في ذلك التوقيت.
كان لوتز هذا يقيم الحفلات الباذخة، ويسقي ضيوفه أغلى أنواع "الشمبانيا"، ومن هنا جاء لقبه.
"جاسوس الشمبانيا"
ولكن الحقيقة الصادمة، لوتز لم يكن ألمانياً ولا نازياً سابقاً كما أدعى ولكن على العكس تماماً.
كان ضابطاً في الموساد، وُلد في مانهاتن لأسرة شمعونية، واسمه الحقيقي "زئيف لوتز".
كان لوتز يرسل معلوماته عبر جهاز لاسلكي مخبأ بدقة داخل حذاء فروسية في إسطبل خيوله.
وبفضل علاقاته الوثيقة مع قادة عسكريين، قيل إنه استطاع الحصول على معلومات دقيقة عن "موقع إطلاق الصواريخ" في سيناء والقاهرة.
والأخطر استطاع الحصول على قوائم بأسماء ومواقع الخبراء الألمان الذين كانوا يعملون على تطوير برنامج الصواريخ المصري، وهو ما ساعد الموساد لاحقاً مع غيره من الجواسيس من إرسال "الرسائل المفخخة" التي استهدفتهم وأوقفت المشروع تماماً.
في عام 1965، سقط لوتز في قبضة المخابرات العامة المصرية.
ولكن كيف كُشف؟
هناك روايتان؛ الأولى تقول إن أجهزة رصد الترددات (التي حصلت عليها مصر من ألمانيا الشرقية) رصدت إشاراته اللاسلكية. والثانية أن الصدفة قادت رجال الأمن للاشتباه في إنفاقه المبالغ فيه الذي لا يتناسب مع أرباح نادي الفروسية وهذه غير مرجحة لأنه كان يصرف بباذخ من أول يوم.
هذا الجاسوس حتى بعد اعتقاله، ظل متمسكاً بأنه "ألماني نادم"، ولم يعترف بأنه إسرائيلي.
وبسبب عدم معرفة المحققين وقتها بأصله، حُكم عليه بالسجن المؤبد بدلاً من الإعدام.
بعد نكسة 1967، أصبح لدى إسرائيل أسرى مصريين.
وفي عام 1968، تمت صفقة لتبادل الأسرى، وكان لوتز (وزوجته الألمانية التي شاركته التجسس) على رأس القائمة التي طلبتها إسرائيل.
عندما وصل إلى تل أبيب، نزل من الطائرة ببدلة مدنية، ليعترف للعالم لأول مرة:
"أنا زئيف لوتز.. الضابط في جيش الدفاع الإسرائيلي"*.
قصة لوتز هي درس قاسٍ في الأمن القومي؛ كيف يمكن لـ "الثقة المفرطة" واللقاءات غير الرسمية أن تفتح ثغرات في أعتى الأنظمة، وأثبت أن "العدو" قد يكون هو الشخص الغريب الذي يضحك معك على طاولة العشاء.
إن فولفغانغ لوتز لم يكن ساحراً، بل كان 'مستثمراً' في العيوب البشرية.
استغل كرم الضيافة المصري ورغبة البعض في التقرب من الأجانب ليجمع أسراراً غيرت موازين القوى في الستينيات.
سقط لوتز في النهاية، لكنه ترك درساً قاسياً في ذاكرة المخابرات المصرية، درساً استلزم سنوات لتعلم منه، وإعادة بناء قواعد 'مكافحة التجسس'.