كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من ذاكرتي المثقوبة!

خليل قادر

بعد عودتي من المملكة العربية السعودية في مطلع الثمانينيات، تشرفت بمعرفة الزميل التشكيلي عزّو الحاج. كان ذلك في السنوات الأولى لافتتاح مركز الفنون في الحسكة، حيث عملت معه في تدريس مادة النحت للطلبة، بينما كنت أدرّس الرسم بألوان الباستيل والألوان المائية للأطفال. كانت أياماً جميلة ومفعمة بالحماس، يوم كان المركز ما يزال مشروعاً ثقافياً فتياً يحاول أن يفتح نافذة صغيرة على الفن في مدينة بعيدة عن صخب العاصمة.
في أحد الصباحات، وبعد انتهاء الدوام، كنا نجلس مع الصديق عبد الرزاق عوض، وأعتقد أنه كان قد درس الفلسفة. انقطعت أخباره عني منذ زمن بعيد، لكنني ما زلت أذكر أحاديثه الهادئة وفضوله المعرفي. يومها قال لي عزّو الحاج إن أحد أبناء الشوايا من آل النامس يخدم في الجيش السوري في بلدة عنجر اللبنانية ذات الغالبية الأرمنية، وقد عاد في إجازة إلى الحسكة مصطحباً معه صناديق كبيرة من الكتب.
كنت في تلك الفترة أصل إلى المركز باكراً، وأستمتع بفنجان شاي مع العم إبراهيم حمدي، والد الفنان عمر حمدي. كان بيته مقابل المركز تماماً. لم يكن يملّ من الحديث عن ابنه، وكان يذكره بمزيج مؤلم من الفخر والحنين. أما والدته فكانت تستقبلني دائماً بعبارة لا أنساها: "أشمّ فيك رائحة عمر". كانت كلماتها تخرج من قلب أمّ ما زالت ترى ابنها في وجوه أصدقائه وزملائه التشكيليين.
اتفقت مع عزّو على زيارة ذلك العسكري بعد نهاية الأسبوع. انطلقنا نحو قرية العسكري، وبعد جهد طويل استطعنا الوصول إلى منزله. ولمن يعرف القرى العربية يدرك أن الوصول إلى بيت شخص لا يكون دائماً سهلاً؛ فالناس كثيراً ما يتحفظون في إرشاد الغرباء، خشية أن يكون وراء السؤال خصومة أو ثأر قديم.
وحين فتح الرجل الكرتونات أمامنا كانت المفاجأة. عشرات المراجع الفنية وأمهات الكتب والمعاجم المتخصصة، وأكثرها باللغة الفرنسية والإنكليزية. كتب في الفن والتاريخ والجماليات لم نكن نحلم بالعثور عليها في تلك الأيام. وقفت مذهولاً أمام هذا الكنز الثقافي، وسألته عن قصتها.
روى لنا، ببساطة لا تخلو من المرارة، أن وحدته العسكرية كانت قد دخلت بعض الفيلات والبيوت خلال الحرب في لبنان. قال إن الضباط والعناصر أخذوا ما خفّ وزنه وغلا ثمنه من الأجهزة الكهربائية والأثاث، أما هو فلم يجد أمامه سوى الكتب المتروكة على الرفوف. جمعها في صناديق كرتونية وشحنها معه إلى الحسكة. كانت الكتب بالنسبة للآخرين أقل الأشياء قيمة، لكنها بالنسبة لنا كانت أثمن ما في تلك الغنائم كلها. اشترينا محتويات الصناديق بما يقارب مئة وخمسين ليرة سورية، وعدنا بها ونحن نشعر أننا عثرنا على مكتبة كاملة جاءت إلينا من وراء الحدود.
كانت عنجر بالنسبة لي أكثر من اسم سمعته في تلك الحكاية. فقد تعرفت إليها قبل ذلك بسنوات، في أواخر السبعينيات، من خلال صديق موسيقي لبناني من آل الخوري. سافرت معه إلى البلدة وقضينا أسبوعاً كاملاً بين أهلها وآثارها. ما زلت أذكر دهشتي الأولى حين رأيتها تستقر في سهل البقاع الشرقي، محاطة بالجبال والحقول، وكأنها لوحة مرسومة بعناية.
عنجر مدينة مختلفة عن سائر المدن اللبنانية. شوارعها مستقيمة ومنظمة على نحو يذكّر بالمدن التاريخية القديمة. بيوتها الحجرية ذات لون عسلي دافئ، تتوهج تحت شمس الصيف، وتمنح المكان هيبة ووقاراً خاصين. أما حجارتها فكانت تبدو لي وكأنها تحتفظ بذاكرة الذين مرّوا من هناك، من الرومان والبيزنطيين حتى اللاجئين الأرمن الذين أعادوا بناء حياتهم فوق تلك الأرض.
كان الصيف يومها في أوجه، وكانت مجموعات من الأرمن تأتي من أنحاء العالم لزيارة البلدة التي أصبحت رمزاً للنجاة والذاكرة. وأذكر رجلاً مسنّاً جلس معنا ذات مساء يحدثنا عن الأيام الأولى لتأسيس عنجر، وعن العائلات الأرمنية التي وصلت إليها هاربة من المذابح والاقتلاع في الأناضول، وكيف بنت بيوتاً ومدارس وكنائس، وحولت المخيم المؤقت إلى مدينة حقيقية نابضة بالحياة.
كلما تذكرت تلك الرحلة، ثم تذكرت الصناديق التي وصلت إلى الحسكة محمّلة بالكتب، أشعر أن للكتب مصائر غريبة. بعضها يولد في مكتبات أنيقة مطلة على جبال لبنان، ثم يسافر عبر الحرب والصدف والحدود ليستقر أخيراً على رفّ متواضع في مدينة بعيدة على ضفاف الخابور.
- تنويه" الموسيقي من آل الخوري تعرفت عليه حينما كنت أعمل في فندق رضوان الكبير في الجزء الثاني من متصف السبعينات وكان هو زبون للفندق، ضخم الجثّة ،بقي شهراً كاملاً ولم تكن لديه قيمة الدفع، لذا أقنع صاحب الفندق أن يمد الفندق بمقسم جديد، يدفع الفندق جزءاً من قيمة المقسم ويكملها هو الباقي في لبنان، هي قصّة أخرى وسأروي بعض تفاصيلها في وقت آخر وسأروي حضوري معه في صالة ومسرح سينما التياترو التي كانت السيدة فيروز تحيي فيها حفلاتها وتحول فيما بعد إلى صالة سينمافترة الحرب الأهلية (نهاية السبعينات): وكان مبنى السينما يقع مباشرة على خطوط التماس (الخط الأخضر الذي فصل بيروت إلى شرقية وغربية)، وكان ارتياده مغامرة حقيقية. ورغم القصف والدمار المحيط بالمنطقة، استمرت بعض الصالات في تلك النواحي كانت تعرض الأفلام الإباحيّة.