معن حيدر: من قصائد الحب في الأدب العربي
وَإِنَِّـي لَأَستَهـدي الرِّياحَ سَلامَـكُم ... إِذا أَقبـَلَت مـِن نَحـوِكُم بِهُـبوبِ
زَيْنُ النساء ... للشاعر "العباس بن الأحنف":
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من أرق قصائد الحب في الأدب العربي، للشاعر "العباس بن الأحنف" (عاش و توفي في بغداد عام 755 م). وتذكر الروايات أنه أحب فتاة حجازية الأصل تسكن بغداد، ثم ارتحل أهلها، فشبت نار الهوى في قلبه، و رغم حبه الشديد لها، فقد كان يكتم ذلك ولا يصرِّح باسمها ويلقبها "فوز"، وكتب معظم ديوانه الشعري بها، ولم يُعرف له شعرٌ إلا في الحبّ العذري.
وتذكر الروايات عن وفاته أنه عندما عاد أهلها إلى بغداد خُطبتْ "فوز" لأحد فتيان عشيرتها، فلما علم الشاعر بليلة زفافها، وكانت ليلة شتوية شديدة البرودة، تنكّر وأتى إلى شجرة مجاورة لبيتها وأسند ظهره إليها، ولم يغادر حتى وجدوه ميتاً من البرد والكمد.
أَزَيْـنَ نسـاءِ العالَميـنَ أَجيبـي ... دُعـاء مَـشوقٍ بالعـراقِ غريـبِ
كَـتَبتُ كتـابي ما أُقيـمُ حروفَـهُ ... لشــدّةِ إِعـوالي وطـولِ نَحيـبي
أَخُـطُّ وأمحو ما خَطَـطتُ بعَبـرَةٍ ... تَـسُّحُّ على القُرطاسِ سَـحَّ غُروبِ
أَيـا فَوْزُ لـو أَبصَرتِني ما عَرَفتِني ... لِـطـولِ شُجوني بَعدكُم وَشُحـوبي
وأَنـتِ مِنَ الدُّنيا نصيبي، فَإِن أَمُت ... فَـلَيتَكِ مِنْ حُورِ الجِـنانِ نَصـيبي
سَـأَحفـظُ ما قد كانَ بيني وبينكُم ... وأرعاكُـمُ في مَشـهَدي ومَغـيبي
وكـنتم تَزينـونَ العراقَ فَشـانَهُ ... تَرَحُّلُـكُم عنــه وذاك مُذيــبي
وكـنتُـم وكُنَّـا في جِـوارٍ بغِبطَةٍ ... نُـخالِـسُ لَحظَ العَـينِ كُلَّ رَقـيبِ
فَـإِن يَكُ حالَ الناسُ بَيـني وَبَينَـكُم ... فَإِنَّ الهـَوى وَالوُدَّ غَـيرُ مَشـوبِ
فَـلا ضَـحِكَ الواشونَ يا فَوزُ بَعدَكُم ... وَلا جَـمَدَت عَينٌ جـَرَت بِسـُكوبِ
وَإِنَِّـي لَأَستَهـدي الرِّياحَ سَلامَـكُم ... إِذا أَقبـَلَت مـِن نَحـوِكُم بِهُـبوبِ
وَأَسـأَلُـها حَمـلَ السَّـلامِ إِلَيـكُمُ ... فَإِن هِـيَ يَـوماً بَلَّـغَتْ فَأَجـيبي
أَرى الـبَينَ يَشكوهُ المُحِبـونَ كُلُّهُم ... فَيـا ربّ قـَرِّب دارَ كُـلِّ حَـبيبِ
,,,,,,,,
لَحـاني، فَلَمَّا شامَ بَرقي وَأَمـطَرَت ... جُفـوني، بَكى لي موجَـعاً لِكُروبي
فَـقُلـتُ أَعَبد اللَهِ أَسعَـدتَ ذا هَوىً ... يُحــاوِلُ قَلــباً مُبـتَلى بِنُكـوبِ
سَأَسقـيكَ من وجدي بِكَأسٍ مِزاجُها ... أَفانينُ دَمــعٍ مُســبَلٍ وَسَـروبِ
أَلَـم تَـرَ أَنَّ الحُـبَّ أَخلَـقَ جِدَّتي ... وَشَيَّبَ رَأسي قَبـلَ حـينِ مَشـيبي
أَلا أَيُّهـا الباكـونَ مِـن أَلَـمِ الهوى ... أَظُــنُّـكُمُ أُدرِكـــتُمُ بِذَنــوبِ
تَـعالَـوا نُدافِع جُهدَنـا عَـن قُلوبِنا ... فَنوشـِكُ أَن نَبـقى بِغَـيرِ قُلـوبِ
كَأَن لَم تَكُن فَـوزٌ لِأَهليـكَ جـارَةً ... بِأَكنـافِ شَـطٍّ أَو تَـكُن بِنَـسيبِ
أَقـولُ وَداري بِالعِـراقِ وَدارُهـا ... حِجـازيَّةٌ في حـَرَّةٍ وَسُـهــوبِ
وَكُلُّ قَريـبِ الـدَّارِ لا بُـدَ مَـرَّةً ... سَيُصـبِحُ يَـوماً وَهـوَ غَيرُ قَريبِ