كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

المرأة والمرأة الظلّ.. ليليت.. أنتيـغونـا.. حوّاء.. إيسمين

يقول «باخوفن»: «إنّ العلاقة التي من خلالها وصل البشر أوّل مرّة إلى الحضارة «civilization» التي هي بداية لتطور كلّ فضيلة ولتشكيل أنبل سمات الوجود الإنساني هي المبدأ الأمومي، الذي يعني الحبّ، الوحدة، الأمن».


ثلاثيّة «سوفو كليس» (أوديب ملكاً، أوديب في كولون، أنتيغونا)، تضيء من خلال رموزها وتحليلها المتأنّي تلك المناطق المعتمة في الثقافة التّاريخيّة الرسميّة، التي انتصرت للثقافة الذّكوريّة، حيث نلمس ونرى ونقرأ الصّراع العالي بين العهد الأمومي المنحسر والعهد البطريركي الوافد بقوّة الظرف الموضوعي، فليس الأمر كما يبدو سفاح قربى حسب «عقدة أوديب» الفرويديّة كما يقول «فروم»، بل إنّ منحى الصّراع قد أخذ شكلَ حلفين واضحين «أوديب، وهيمون، وأنتيغونا» هم ممثلو العهد الغارب، و«كورون»، والد «هيمون» وأشباهه الذي دفن «أنتيغونا» ونفى «أوديب» هو ممثل العهد الجديد بكليّته الاستبداديّة، وما رافقه من طاعة وقوانين وسلطة مطلقة.
كما يرى «باخوفن» مثالاً شبيهاً بتحليله لأسطورة «أورتيسيا» الإغريقيّة، لـ«أسخيلوس» فهي تمثيل رمزي للحرب الأخيرة بين الرّبات الأموميّات والأرباب الأبويّين الظّافرين، حيث يُبرّأ «أورتيس» قاتل أمه «كليمنتسرا» وعشيقها، لأنّها قتلت أباه «أغاممنون» ولكن هذا النصر للنظام الجديد، لم يكن كاملاً بل لجأ للتّسوية، وإيجاد صيغة توافقيّة مع الربّات المنهزمات، اللّواتي وافقن على القيام بدور صغير بأن يكنّ حاميات الأرض وربّات الخصب الزراعي، وقد تبدّى ذلك واضحاً في الشّذرات المبثوثة في حنايا أسطورة «أوديب». الفوارق كبيرة كما يقول «باخوفن» بين النظامين البائد والسّائد في مجمل المبادئ الاجتماعية والأخلاقية، فالرّوابط الأمومية تسعى للمحافظة على صلات الدم، والمساواة بين الناس، كلّ فرد هو ابن للأرض والأمّ، وهي تسعى لحبّ أبنائها بلا شروط، والقبول السلبي لظواهر الطبيعة بلا تغيير أو سعي للسيطرة عليها وتجييرها لمصلحة الإنسان، بينما الروابط الأبوية تسعى للتغيير والتأثير بالطبيعة، والفضيلة الأكبر فيها هي الطّاعة، كما أنّ لديها مبدأ أثيراً هو «الابن المفضّل» بديلاً للمساواة بين الأبناء.
«أُوديب» في الصياغات المتنوّعة للأسطورة يرتبط برباّت الأرض، منذ أن تمّ التّخلّي عنه طفلاً، رضيعاً، نتيجة رؤيا العرّافين، وحتى تفاصيل موته الغامض وعودته إلى عوالمهنّ، ودفنه في معابدهنّ، فمثلاً «إيتونوس» المدينة البوتيّة نسبة إلى «بوتيا» اليونانيّة القديمة ذات التاريخ العسكري والفني والسياسي المتميز، هي المدينة الوحيدة التي يوجد فيها مزار تعبّدي لـ «أوديب» والتي قد يكون من المحتمل أنّها من أنشأ الأسطورة بأكملها، وكان فيها أيضاً مزار لإلهة الأرض «ديميتير».
ففي «كولون» قرب «أثينا» يجد «أوديب» مرقده الأخير وكذلك يوجد مزار قديم لـ «ديمتير» و«الأيرينيّات» ربّات الأرض، «سوفوكليس» قد أكد ذلك أيضاً في ثلاثيّته وبالتحديد في «أوديب في كولون» كما يقول عالم النفس الكبير «إيريك فروم»، وثمّة ارتباط بين «السيفينيكس، وأوديب» -هي كائنات خرافية تعني حرفيّاً قوى الخنق- يشير إلى هذا المبدأ الأمومي، حين تطرح عليه لغزاً لحلّه: «ما هو الشيء الذي يسير على أربع ثمّ اثنتين، ثمّ ثلاث؟»، ولا يبدو اللغز صعباً على صبي متوسّط الذكاء. الحكمة ليست بالجواب في حدّ ذاته الذي سيحول دون فتك «السيفينكس» بالمدينة، بل بالتحليل الحقيقي للّغز، حسب «باخوفن» و«فرويد» اللذين يريان أنّ العنصر المهم في المحتوى الحقيقي للحلم والأسطورة كثيراً ما يظهر في العناصر الأقل أهميّة، وجواب اللّغز هو «الإنسان»، فإبراز أهميّته بهذا الشّكل هو إبراز لمبدأ مهمٍّ جدّاً في مبادئ النظام الأمومي.
وفي الجزء الثاني من ثلاثية «سوفوكليس» وهو «أوديب في كولون» نرى أوديب بصحبة ابنتيه قرب «أثينا» حيث بستان ربّات الأرض وستقول له الرؤيا إنه سيدفن هناك، وسيكون حارثاً للربات اللواتي لاذ بهنّ، فلماذا سيكون مخلّصاً بموته أيضاً لـ«أثينا» من أعدائها، كما افترضت الرؤيا؟، ثمّ يقدّم «سوفوكليس» دليلاً آخر على ارتباطه بالنظام الأمومي كما يقول «فروم» وهو إلماحه إلى النظام الأمومي المصري موجّهاً حديثه لابنتيه، وصابّاً جام غضبه على ابنيه الذّكرين العاقين: يا لها من صورة صادقة عن عادات المصريين التي تظهر في روحهم وحياتهم، فهناك يقبع الرّجال وينسحبون في البيت، أما الزّوجات فينطلقن لكسب الخبز اليومي، وهذه حال أولادي (...) هاتان الفتاتان اللتان من الرجال لا النساء، إنّهما في خدمتي حقّاً، أمّا أنتما فغريبان ولستما ابنيّ.
في «أنتيغونا» ممثّلة النظام الأمومي نرى خصومتها لـ «كريون» رمز النظام الأبوي، الذي دفنها حيّة في كهف وحين ندم على فعلته، حاول التّراجع، ولكنّها كانت قد ماتت.كما نرى الوجه النسائي المهجّن، والتّابع والقانع بما ستؤول إليه الأمور ممثلاً بـ«إيسمين» التي قبلت الهزيمة وهاهي تقول لـ«أنتيغونا»: «والآن قد تركناهم جميعاً نحن الاثنتين وحدنا تباعاً ـ فكّري كيف سنموت أشقى من كل الآخرين، إذ نحن من غير اعتبار للقانون، تحدينا قرار الملك أو سلطانه، ليس هذا وحسب بل علينا أن نتذكّر أوّلاً أنّنا ولدنا نساءً، فلا ينبغي لنا أن نصطرع مع الرجال، وأنّنا ثانياً محكومتان من الأقوياء، لذا علينا أن نطيعهم في هذه الأمور ولهذا أنا أطلب الصّفح من أرواح العالم السفلي»، أي الرّبات الأموميات، فلماذا تطلب الصّفح منهنّ؟!. ثمّ ليستكمل العهد البطريركي هيمنته كان لابد له من محاولة المسح الشّامل لآثار العهد الأمومي وسحب البساط من تحت قدميه حتى بالأمور الحميميّة والطّبيعية التي تخصّه، أي «الولادة والخلق»، ففي أسطورة الخلق البابلية «إنوما إليش» سيجد مجمع أرباب الآلهة الذكور حلّاً لموضوع الولادة، حيث ستلد/الكلمة، الأمر/ من فم الملك «مردوخ» قاتل الأمّ الكبرى، وسيلد «أبولو» أثينا إلهة الحكمة من رأسه، فلا أهميّة للرحم الولود!. إذ تكفي كلمة واحدة غدت رمزاً مكثّفاً لقانون السلطة الاستبداديّة، الجديد: «كن» ليخلق بعدها كلّ شيء بلسان الذكر: «قالوا لبكرهم مردوخ...مُرْ بالهدم والخلق، يكن ذلك، بكلمة من فمك... فأمر بفمه وإذ لاحظ آباؤه الآلهة فعالية كلمته، ابتهجوا وبايعوه.. مردوخ هو الملك»، بعد أن قتل «تيامات» وشقّها نصفين.. سماءً وأرضاً.
ثم تأتي «إينانا» السومريّة، لتندمج بـ«عشتار» وتتفقا على طرد «ليليت»، بمساعدة «جلجامش» الزعيم الذكري الطموح وبعدهم «حوّاء» التّوراتيّة المخلوقة من ضلع «آدم» المنحني بمشيئةٍ ذكوريّة كاملة، شبيهة «إيسمين» في ثلاثيّة «سوفوكليس» لتحلّ محلّ «ليليت» شبيهة «أنتيغونا» المطرودة من جنّة النعيم الذكري، المتمردة حامية مهد الطفولة، والعين الحارسة له، لتتمّ شيطنتها وإلصاق كل الشرور بها، فتغدو رديف الدمار والخراب، أينما حلّت.
هكذا جاء التفوّق الذكوري نتيجة ظرف موضوعي وانقلابي بدورة المجتمع البشري بقدرته على الانتاج والسيطرة على الطبيعة وتطويعها بقوة الفكر والفعل، ولكن هل سيبقى العهد المنحسر رهين قيوده إلى الأبد؟. أم هي جولةٍ من جولات التّطوّر التاريخي للمجتمعات الإنسانيّة؟، لعلّنا نرى في بوادر الحركة النسويّة العالميّة، بكلّ المجالات، جواباً عن هذا السؤال!.

أوس أحمد أسعد

تشرين

صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته
الأديب السوري مفيد أحمد يحصد المركز الأول في جائزة «وولت ويتمان» الدولية بقصة تجسد جراح الإنسان بعد الحرب