كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

يحيى زيدو: الهرطقة.. و الحاجة إلى التفكير الهرطقي

(الهرطقة) مصطلح يُطلق على كل فكرٍ جديد أو تغيّر في عقيدة أو منظومة فكرية مستقرة. استخدمت هذه الكلمة من قبل الكنيسة المسيحية كتوصيف للأفكار الجديدة التي جاء بها كل من (كوبرنيكوس) و (غاليلي) في البداية، و لاحقاً وُصِفَت أفكار القديسين (أبيلار- أنسلم- اوغسطين- توما الأكويني) بالأفكار الهرطقية، و احتاج الأمر عشرات السنين من الصراعات و الانشقاقات بين الكنائس المسيحية حتى أصبحت تلك (الهرطقات) جزءاً من الفكر الديني المسيحي الذي انبى عليه عصر الأنوار. و في النهاية استطاع هذا الفكر الهرطقي أن ينتج نهضة علمية - فكرية استطاعت أن تستوعب كل جديد و كل تجديد حتى وصل إلى مرحلتي (الحداثة) و (ما بعد الحداثة)، اللتين جاءتا على أنقاض الفكر الديني بعد إقصاء و تهميش دور الكنيسة في الحياة العامة في إطار التفكير العلماني الذي ابنثق من مخاضات التفكير الهرطقي أولاً، قبل أن تصبح العلمانية موقفاً ثقافياً و أخلاقياً من قضايا الانسان و العلم.
أمّا الفكر الإسلامي فقد اعتبر كل تجديد أو فكرة جديدة في الإسلام (بدعة) تساوي (الهرطقة) في المسيحية، و ربط هذا الفكر بين البدعة و(الزندقة), فأصبح كل تجديدٍ بدعة وزندقة أي كفر. وأصبح أولئك الذين استخدموا عقولهم في مقاربة النص الديني (زنادقة ) و (كفاراً)، فتم قتلهم و صلبهم (الحلاج)، أو إحراق كتبهم (ابن رشد- الكندي- ابن طفيل..)، مروراً بتاريخ طويل من التكفير و القتل باسم المقدس الديني لمحاربة كل فكر جديد، وصولاً إلى أزمة تكفير عدد كبير من المفكرين الدينيين و الدنيويين في عصرنا (محمد عبده- علي عبد الرازق- فرج فوده- نصر حامد أبو زيد- خليل عبد الكريم- محمد سعيد العشماوي...). و القائمة تطول..
و كان من نتيجة هذا التاريخ الطويل من التكفير مزيد من القتل و الإقصاء و الإلغاء و القمع الذي أدى إلى ظلامية فكرية و أخلاقية كان من أبرز نتائجها ظهور التنظيمات الإرهابية التي تعيث قتلاً وفساداً و إفساداً باسم الدين وباسم الله. فأصبح كل إعمالٍ للعقل يستحق صاحبه القتل و التقطيع و الصلب... و نظراً للتواطؤ القائم بين الديني و السياسي في منطقتنا فقد تم إنتاج سلطات سياسية ترعى و تموّل و تأوي هذه التنظيمات لتكون سلاحها الأمضى في التخّلص من الخصوم في الداخل و من الأعداء في الخارج.
إن المحنة التي نعيشها اليوم لم تكن لتستمر و تتعمق لولا الفكر الديني المتواطئ مع السلطات السياسية في احتكار تفسير المقدس والسيطرة على الثروة و السلطة (مع ضرورة التمييز الدائم بين مفهوم الدين و بين مصطلح الفكر الديني). فالغرب الذي استطاع أن يستوعب الهرطقات في ليتوروجيا الكنيسة، و ينطلق منها نحو نهضة أفضت إلى إقصاء الكنيسة عن المجتمع، و الوصول إلى مستوى يتم فيه قبول حتى الهرطقات الملحدة و الشاذة لمفكرين مثل (جان بول سارتر- جان جينيه-مارسيل بروست- أندريه جيد).. و غيرهم كثيرين آخرين، قد نبّه السلطات الدينية- السياسية في الشرق إلى امكانية أن تصل إلى المصير نفسه الذي وصلت إليه الكنيسة في الغرب. فانبرى (سدنة هياكل الوهم) القائمين على المؤسسات الدينية - برعاية و تنسيق من السلطات السياسية - لتكفير و قتل كل جديد من خلال تكريس ثقافة النقل و إحياء علوم الدين بدلاً من تكريس ثقافة العقل و إحياء علوم الدنيا. و كانت النتيجة أن أصبح مستقبلنا خلفنا، فاقتصرت ثقافتنا على 1400 سنة فقط. أما ما قبلها فهو كفر و إلحاد  مرذول و مدان، أما يزامنها من خارج النص التلقيني فهو هرطقة و زندقة و كفر و إلحاد.
إن  شرقنا اليوم بكل قومياته و أعراقه و دياناته في أمسّ الحاجة إلى تشجيع التفكير الهرطقي على كل المستويات. فالتفكير الهرطقي هو فكر مبدع لا يقبل بثقافة النقل بل يدعو للثورة عليها كخطوة أساسية على طريق انبثاق ثقافة العقل و الفكر النقدي. وأول شروط تكريس الفكر الهرطقي هو توفر أجواء الحرية التي تنبني أساساً على الوعي و المسؤولية و قبول الآخر، بالتزامن مع تحولات اقتصادية تؤدّي للانتقال إلى ثقافة انسانية علمانية تمكّن الانسان من اتخاذ مواقف مسؤولة تجاه قضايا عصره، بعيداً عن ثقافة اللحى و العمائم التي لم ينتج عنها – عبر التاريخ الإنساني- سوى القتل و الذبح و التقطيع.. باسم الله.

في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية
"جينات التمرد".. من سفينة المهاجر الاول إلى قيادة النظام العالمي
ماكتبه نزار قباني في الذكرى الأولى لرحيل عاصي الرحباني
وفاة المفكر والناقد والمترجم السوري حنا عبود
من ذكريات دمشق "شريفو ترك الفن وصار يعمل في السياسة"
حسن الخير: "لوركا العرب" الذي قطّعوا لسانه فخلدت كلمته