عندما رنّ هاتفي الجوال: قرأتُ لك في "السفير"
أُبي حسن
تنويه: اتصل بي مساء الخميس الموافق 24 آذار الماضي (2016)، الصديق الكاتب سامر محمد اسماعيل، طالباً مني مادة لا تتجاوز 500 كلمة، كي تُنشر ضمن ملف في يوم وداع (كان مفترضاً) صحيفة السفير بنسختها الورقية في 31 آذار المنصرم.. وباعتبار أن مالك "السفير" أوجد مخرجاً (أرجو أن لا يكون مؤقتاً) لأزمته المالية, فقد امتنعت الجريدة عن نشر الملف المنوّه عنه آنفاً، فكان أن استأذنت الصديق سامر اسماعيل بنشر مادتي في فينكس.
عندما رنّ هاتفي الجوال: قرأتُ لك في "السفير"
حتى ما قبل خريف 2003، لم أكن أجرؤ على الحلم بالنشر في الصحافة اللبنانية (وهي هنا: "السفير"، "النهار"، "المستقبل")، التي كانت بالنسبة للناشر فيها بمثابة الامتياز، كما كنتُ وغالبية أبناء جيلي نؤمن.
أحضرتُ معي ذات يوم، من مبنى صحيفة النور التي تصدرها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري، عدداً قديماً، من "السفير"، قرأتُ مقالات الرأي فيها، وقلتُ في نفسي بعد الانتهاء منها: "أعرف الكتابة أكثر ممن أقرأ لهم"، احتفظتُ بالعنوان البريدي لـ"السفير"، وكنتُ قد أنهيتُ حواراً مطولاً مع الناقد الفلسطيني اللامع فيصل دراج، اجتزأت منه بضع صفحات، وأرسلتها في البريد العادي الكائن في شارع النصر وسط دمشق إلى مبنى الصحيفة اللبنانية في شارع منيمنة وسط بيروت. وأذكّر أني أرسلتُ بريدي موجّهاً لمدير التحرير سنتذاك، الأستاذ ساطع نور الدين.
بُعيد نحو أسبوع، كنتُ أقف وسط صف طويل أمام مبنى جامعة دمشق، أسجّل للدخول في كليّة الإعلام.. حينذاك، رنّ هاتفي الجوال، لأجد على الطرف الآخر صديقاً، يتصل بي ليخبرني أنّه قرأّ لي مادة (ذاك) اليوم في صحيفة السفير(وافق ذلك 18 تشرين الأوّل 2003). كانت فرحتي مضاعفة، إذ أنا على وشك دخول الجامعة في اليوم الذي تحقق فيه بعض مالم أكن أجرؤ على الحلم به!
لم أكن أعرف أحداً، حينذاك في "السفير" ولا في الصحافة اللبنانية.. وكرّت سبحة النشر، إلى أن طويتُ نحو الستة أشهر قبل أن أزور "السفير" للمرة الأولى، ولم أكن أطو من العمر التاسعة والعشرين بعد.
عندما قابلتُ بعض الزملاء هناك، كان يظنون أن من يراسلهم من دمشق هو كهل في العقد السادس من عمره.. وبعضهم أبدى دهشته عندما رآني للمرة الأولى.
سبق ذلك كلّه، رسالة كنتُ قد دبجتها (الأرجح عام 1999) كي أسلمها للأستاذ طلال سلمان في مهرجان السنديان، في ملاجة محمد عمران، إذ كان –سلمان- مدعواً إليه؛ لكنه اعتذر عن المجيء، وبهذا فاتتني فرصة إعطائه رسالتي التي أشكو له فيها حالي, طالباً منه مساعدتي في تحقيق ذاتي عبر من كنتُ أؤمن أنّها "صوت من لا صوت لهم".. ما تزال الرسالة ضمن أرشيفي حتى الآن.
ساهمت "السفير" في تكريس اسمي في الصحافة اللبنانية، فمنها عبرت إلى "النهار" التي لا تحتفظ ذاكرتي عنها بأيام أو لحظات سعيدة.. و"المستقبل" ولاحقاً "الأخبار" فور صدورها ذات يوم من عام 2007.
لا شك, إنّ "السفير"، حققت لي ولأبناء جيلي (ولمن سبقنا ومن تلانا)، نافذة هامة لا تقدّر بثمن، وكان لها فضل لا أنساه ما حييت بأن أوصلت صوتي إلى أبعد مدى ممكن؛ أسوق ذلك، بمعزل عن موقفي الذي قد يكون سلبياً، منذ بدء الحرب شبه الكونية على سوريا، من بعض توجهات الصحيفة وعدد من القائمين عليها.
وإذا ما بحتُ أكثر، أميل للاعتقاد أن الصحيفة، وبمعزل عن أزمتها المالية، باتت تفقد، وبالتدريج، شيئاً من قوة حضورها، في الداخل السوري، وذلك عقب اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، وما تلا زلزال اغتياله من تداعيات، يكاد لم يسلم منها أحد.
بإمكاني البوح في الجانب الذي أبعدني عن صفحات "السفير"، ولعل ما يردعني، هو صعوبة اللحظة التي لم أكن أتخيّل أنّ "السفير" ستصل إليها، تماماً كما لم أظن أنّي سأكون في موقف لا أحسد عليه.. بمعنى أن تكتب فيما يشبه وداعاً في من كانت حلماً عصي المنال، ثم تعش معها حالة جفاء, وفجأة يؤسفك ما تحمله لك الأخبار عن معاناة من أحببت وتابعت ومع مقالاتها كبرت(سنّاً) ولصفحاتها (ذات زمن) أخلصت.. الخ.
يحزنني جدّ أن أسمع خبر توقّف النسخة الورقية منها.. تلك النسخة التي طالما كنتُ أترقب وصولها أكشاك دمشق، متمتعاً بمنظرها واستنشاق رائحتها الطازجة، خاصة عندما يكون لي مقال فيها.. لعمري، كانت تلك الرائحة أزكى من رائحة الخبز الخارج لتوه من الفرن..
سبق أن حمل لي هاتفي الجوال في تشرين أول 2003 خبراً مفرحاً لا بل مفصلياً في حياتي المهنيّة: "قرأت لك في السفير", فهل يحمل الجوال ذاته، في عام 2016, خبراً عن قيامة "السفير" من أزمتها وتجاوزها لها؟ من كلّ قلبي: أرجو ذلك..