معن حيدر: بين التلفزيون والإذاعة / و"صباح فخري".. تتمة
... آنذاك كان هناك قناتين (أو إذاعتين) هما البرنامج العام (إذاعة دمشق) و(صوت الشعب)، وكانتا تبثان على الموجة المتوسطة AM وتغطيان كامل سورية بالإضافة إلى مساحات واسعة من الدول المجاورة وصولاً إلى شمال السعودية ومصر والساحل الليبي، بالإضافة للإذاعات الموجهة بتسعة لغات تبث عبر الموجات القصيرة بأوقات متفاوتة وتغطي العالم كله، وكانت استديوهات البث والتسجيل تخدّم تلك الإذاعات. (طبعاً أضيف لاحقاً إذاعتي: صوت الشباب وسوريانا، تبثان على الموجة FM وتغطيان المدن السورية).
((واستزادة في المعلومة فإن: موجة الـ AM هي موجة أرضية أي تتبع تضاريس الأرض، وتتعرض للتشويش حسب تغيرات الطقس والفصول وساعات اليوم، وتحجبها العوائق وخاصة الأبنية والشبكات المعادن، تبث باستطاعات عالية جداً تبدأ من 50 كيلو واط (الكيلو ألف واط) وتنتهي بـ 1 ميغا واط (الميغا مليون واط)، ويغطي إرسالها مئات الكيلومترات.
أما موجة الـ FM فهي موجة تحتاج خط نظر بين جهاز الإرسال والمستقبل (المذياع)، لا يحدث عليها تشويش، وإنما فقط تحجبها العوائق العالية، ويغطي إرسالها حتى 40 كيلو متر، ولا تحتاج إلى استطاعات كبيرة، تبدأ بـ نصف كيلو واط وتنتهي بـ 10 كيلو واط)).
++ ويستخدم في استديوهات الإذاعة أنواع كثيرة من المكرفونات، تختلف من ناحية الحساسية، وزاوية التقاط الصوت، والحجم، منها ما يغذى بالكهرباء أو البطارية، ومنها اللاسلكي، ومنها ما يستخدم للمعلّقين الرياضيين في الملاعب، وللمراسلين في مكان الحدث...
++ أما مازج الصوت في غرفة الإخراج (الكونترول) فله عدة وظائف: هي انتقاء المصدر الصوتي الذي نريد سماعه أو تسجيله، أو مزج عدة مصادر مع بعضها (مثلاً صوت المذيع مع مؤثرات صوتية أو مع صوت مذيع آخر أو مع جمهور)، وأيضاً إجراء بعد التصحيحات على الصوت كإضافة أو تقوية بعض المجالاات الترددية العالية أو المنخفضة..
وبالإضافة لاستديوهات البث والتسجيل، كان هناك استديوهان إذاعيان كبيران:
الأول يسمى (استديو التميثليات)، وهو استديو كبير بحدود 100 متر مربع فيه بعض الطاولات والكراسي وبعض الأدوات التي تصدر صوتاً ومنها هاتف قديم وجرس بيت كهربائي وباب وغيرها كمؤثرات صوتية حيّة، وفيه مكرفونات معلّقة بالسقف يتجمع عندها الممثلون وكل منهم يحمل النص الذي سيقوم بأدائه .. ويتم تسجيل التمثيلية دفعة واحدة، وغالباً تكون مدتها حوالي 15 دقيقة، وتصل أحياناً 45 دقيقة كحد أقصى.
أما الثاني فيسمى (استديو الموسيقى): يحتاج إلى مساحة كبيرة (بحدود 150 متر مربع) مع سقف عالي بحدود 6 أمتار، معزول تماماً عن الجو الخارجي، وذلك لتحقيق (الجو الصوتي) المناسب للتسجيلات الموسيقية، الجو الصوتي يعني أن يقوم فراغ الاستديو بتوليد موجات صوتية مشابهة تماما للأصوات المراد تسجيلها، من حيث شدة الصوت أو من حيث (التردد)، ويجب أن يحقق الاستديو عدم إرتداد الصوت ضمنه لكي لا يحدث الصدى، لذا تغلّف جدرانه الداخلية بمواد (تمتص الصوت بنسبة معينة)، وكذلك توضع على الجدران وضمن الاستديو بعض المواد المعالَجة صوتياً (بحيث تكون إما عاكسة للصوت أو ماصة له)...
كل ذلك لتأمين تسجيل نقي لصوت الموسيقى والمطرب بكامل النطاق الترددي الذي تحدثنا عنه
ويُستخدم في استديو الموسيقى مازج صوت خاص بالتسجيلات الموسيقية، له مخارج قد تصل إلى 48 مخرج، تسجل على آلات تسجيل (بَكَرْ) خاصة، بحيث يُسجل كل مخرج من المازج على قناة خاصة في آلة التسجيل (تسمى Truck).
أما في حالات التسجيل أو البث من أماكن خارج الإذاعة، كالملاعب ودور العبادة والمسارح والحفلات، فكانت تتولى ذلك دائرة مختصة تسمى (دائرة الإذاعات الخارجية) وكانت مسؤولة أيضاً عن تسجيل الحفلات الغنائية... وهنا بيت القصيد
فالحفلات الغنائية تتطلب ترتيبات وتجهيزات خاصة لتأمين نقل صوتي (أمين) للمطرب والموسيقى والكورس والجمهور، عدا عن ذلك يتطلب الأمر تأمين توازن بين تسميع الجمهور وتسميع المطرب دون أي تشويش أو صافرة أو صدى، ويُعتبر تأمين ذلك من الأمور الشاقة، حيث لكل مسرح خصوصيته الصوتية.
وتحدث الصافرة بسبب اقتراب أحد المكرفونات من المجهار (السبيكر) الأمر الذي يؤدي إلى دخول صوت المجهار إلى المكرفون ثم عودته من المكرفون مكبراً إلى المجهار ثم دخوله إلى المكرفون ثانية… وهكذا فتتولد الصافرة الحادة التي تزعج المستمع...
++ وفي إحدى الليالي كنت في مكتبي أستعد للذهاب للمنزل بعد أن أنهيت عملي، عندما استدعاني المدير العام آنذاك رحمه الله، ذهبت لعنده فوجدت عنده الفنان الكبير "صباح فخري" يبدو عليه قليلاً من الاستياء أو التجهم، بادرني المدير العام مازحاً: ليش مزعّل الأستاذ صباح؟؟ فيما بعد علمتُ أنه طلب من الأستاذ صباح إحياء حفل تقيمه الهيئة بعد عشرة ايام في صالة الفيحاء بدمشق، وكان الأستاذ صباح يحتج بسبب صعوبة تأمين الصوت والسيطرة عليه في الصالة نظراً لكبرها ولضخامة عدد الجمهور الذي يتجاوز سبعة آلاف، وربما كان لايعوّل علينا (كقطاع عام).. كان ذلك يشكل تحدياً محبباً لدي قبلتُ به (رغم معرفتي بإمكاناتنا الضعيفة)... فَقَبِل هو بعد جدال ولكن على مضض.. اتفقنا أن نقوم سوياً في اليوم التالي باستطلاع الصالة ثم نتفق على إجراء بروفات متعددة قبل يوم الحفل.
عندما ذهبنا إلى الصالة، يرافقني بعض الزملاء المتمرسين في هذا المجال، اكتشفت أن مهمتنا أكثر من صعبة.. حتى أننا اضطررنا أن نفك مازج الصوت وبعض التجهيزات من استديو الموسيقى لتركيبه في الصالة...
كانت منصة الحفل مرتفعة بحدود المترين وبارزة في منتصف الصالة، ركّبنا المازج بجانبها وركبنا المكرفونات اللازمة للفرقة الموسيقية وولكورال والمطرب.. وركبنا السبيكرات باستطاعات كافية في أرجاء الصالة، وحتى نستطيع السيطرة على الصدى ضمن الصالة فتحنا الشبابيك العلوية للصالة...
أجرينا بروفة واحدة بحضور الأستاذ صباح، وقد أذهلتني دقته في متابعة التفاصيل حتى أنه سمع صوت السبيكرات المنتشرة في أرجاء الصالة واحداً واحداً من الأمام ومن الخلف...
وبدأ الحفل وصعد إلى المنصة، وبعد أن هدأت الصالة من التصفيق... ابتدأت الفرقة بالعزف وبدأ يغني... وظهرتْ النتيجة على تعابير وجهه وعلى الجمهور... وسلطن "صباح" في ثالث اغنية... ورقص على المسرح لأول مرة في حياته...
وكسبنا أنا وزملائي الرهان.. وأيضاً كسبتُ صداقة الأستاذ صباح فوق ذلك