علي كنعان: من ذكرياتي في اليابان
ظلت ذكريات اليابان وأطيافها زاهية مشرقة في فضاء النفس نحو عشرين سنة، وأنا ألتقط بعض ملامحها في لحظات الفراغ وأسكبها في زوايا الحاسوب، ثم أحاول تجديدها وإغنائها.. حتى تكامل نصها واستوى كائنا فنيا/ جماليا، لم تكن محبتي له لتقل عن محبة الشعر، وإن بدت العبارة النثرية أصفى وأشد طراوة وبساطة ومباشرة، بعيدا عن لغة المجاز الشعرية التي تشبه القناع السادر في مسرح (النُّو) الياباني. وهذه الإشارة جاءت في مستهل الطبعة الثانية التي أخذت طريقها إلى النشر.
إشارة
فاجأتني طوكيو منذ الليلة الأولى، إذ صحوت باكرا - والشمس في خدر أمها، كما يقول بشار بن برد- وقد أثارتني أصوات الغربان المعششة في أشجار الحديقة المجاورة، وخُيِّل إلي أن أجدادنا أطلقوا على الأرخبيل الياباني اسم "جزائر الواق واق" من وحي تلك الجوقة الصباحية ودلالة عليها. وفي إحدى الجلسات الاحتفالية بنهاية أسبوع العمل الأكاديمي من مساء الجمعة في مكتب الأستاذ نوتوهارا (نبوأكي) المستعرب الرصين ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية - Gaigodai، طرحت فكرتي هذه في حضور لفيف من الأساتذة.. وأخذ كل واحد منهم يدلي بدلوه، وتشعب الحديث في مسارب شتى، وكان للخيال نصيبه الأكبر في التصور والتأويل.
لكن الأستاذ نوتوهارا في ختام الجلسة قال: "في تقديري أن الاسم مأخوذ من كلمة واكو( ) في اللغة اليابانية القديمة، والكلمة تعني "قرصان أو قراصنة". كان أجدادكم يسافرون في سفن صينية، وحين يلمح البحارة مركبا للقراصنة اليابانيين كانوا يصيحون: "واكو.. واكو"! وقد اختزن أجدادكم الكلمة في ذاكراتهم، ونسجوا حولها عديدا من الأساطير. من هنا، على ما يبدو، جاءت الـ "واق واق". ومعروف أن القراصنة اليابانيين كانوا رجالا أشداء، قصار القامة، مكتنزي الأجسام؛ وبحارة السفن التجارية كانوا حريصين على الابتعاد عنهم، ما أمكن، اتقاءً لشرهم وإيثارا للسلامة".
ومع أن عبارة الـ"واق واق" ترد في العديد من المصادر العربية، جغرافية وتاريخية وأسطورية، إلا أن التعليل الوارد آنفا يبدو لي أقرب ما يكون من المنشأ المنطقي الدقيق لها، وإن ظل باب البحث والاستقصاء مشرعا على احتمالات لا تتوقف. ولعل إعجابي بذلك الاكتشاف اللبيب، وتقديرا لهذا الأستاذ الياباني الجليل أردفت عنوان الكتاب بعبارة إيضاحية "رحلة في جزر الواق واق". وهي "رحلة في.." وليست "رحلة إلى.." لأن المقصود ما خبرته في ذلك المكان، وليس استكشاف المكان ذاته. والعبارة هكذا أعمق معرفة وأبلغ دلالة.
وفي ختام هذه الإشارة، لا بد من التنويه أنهم في اليابان يركزون على اسم العائلة ويذكرونه أولا.. وقد يكتفون به، أما الأسماء الشخصية فلا يتنادون بها، ولا تذكر غالبا إلا بين الأهل والعشاق والأصدقاء. ولدى ورودها في النص هنا ستكون بين هلالين، بعد اسم العائلة مباشرة، فالاسم الشخصي للأستاذ نوتوهارا هو (نوبوأكي)، وهكذا سوف ترد سائر الأسماء. ولدى ورود الاسم لأول مرة، أضعه بأحرف مائلة- Italic، تمييزا له وتأكيدا على أنه اسم علم، تاريخي أو جغرافي، واقعي أو أسطوري. ومن عادة الياباني أن يلحق بكل اسم كلمة سان، أي "سيِّد، سيدة.. أو آنسة"، وحتى مع أسماء الأطفال تتحول الكلمة إلى تشان، تحببا. فالطفلة يوريكا مثلا.. لا يناديها أبوها أو أمها إلا باسم: "يوريكا-تشان". ونظرا لأن أبجديتهم خالية من حرف اللام فهم يلفظونه راء، ويوم زارني أخي يونس.. وسمعهم ينادونني: "أري-سان"، علق ضاحكا: "كنت في سوريا عريسا واحدا، وأنت هنا عريسان"، يا بختك!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ من كتاب "السَّيف والمرآة: رحلة في جزر الواق واق" - 2014