كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

ردّ على ردود طبيعتها من طبيعة الأمة التي إليها ينتمون

بقلم أُبيّ حسن

موقع الأقباط متحدون: 11 أيار 2008

لم أستغرب الألفاظ النابية, التي وردت في ردود بعض الكُتّاب والشخصيات القومية المعروفة, في معرض ردها على مقالتي "هل تكفي اللغة كحامل للهوية؟" المنشورة في نشرة "كلنا شركاء" بتاريخ 13/4/2008.
ويقيناً أتمنى أن تنشر "كلنا شركاء" الألفاظ النابية كما وردت, بالرغم من انطواء بعضها على شتائم. ورغبتي تلك لا يساويها سوى عتبي الصادق على بعض القوميين الذين أعني, إذ كيف يقومون بتكريم السيد عبد الحميد السراج (باعتباره قومياً طبعاً) في ذكرى الوحدة السورية -المصرية, ويغفلون عن شخصيات أخرى لا تقل تشبثاً بقوميتها عنهم وعن السيد الذي كرّموه, من قبيل السادة سامي جمعة ورفعت الأسد وعبد الحليم خدام وحكمت الشهابي على سبيل المثال لا الحصر, وأنا هنا لا أتهكم مطلقاً, بمعزل عن رأيي الشخصي (سواء أكان سلبياً أم إيجابياً) بمن ذكرت, ولم أذكر, من أسماء شخصيات.
وإزاء مثل هذا التجاهل وذلك الانتقاء (من قبل أولئك القوميين) لا يسعني سوى أن أبدي عجبي! إذ أن الكثير من القوميين حتى في ظلمهم لا يعرفون الإنصاف مع شديد الآسف! رحمة الله على صدام حسين الذي كان على الأقل عادلاً في ظلمه مقارنة بمن نعني!
وثمة سبب آخر في عدم استغرابي, ألا وهو أن أصحاب "الفكر" الذين صدرت عنهم تلك الألفاظ, هم نتاج ثقافة مأزومة, شأنها في هذا شأن الثقافة الإسلامية التي تعاني هي الأخرى من أزمة حقيقية، ولعلي هنا أوافق الصديق بسام القاضي في رأيه المنطوي على أن ما نشهده من حالات عُصاب يشكو منها بعض الإسلاميين, وحتى ظاهرة الفتاوى التي تدعو إلى الرثاء, الخ.. كلها عبارة عن مظاهر أزمة لأمة مأزومة بهذا المعنى كان من الطبيعي أن تكون ردود بعضهم على شاكلة أزمة الأمة التي إليها ينتمون!.
لكن يبقى أن نشكر الله ونحمده أن الأمر لم يصل ببعض القوميين حد ممارسة التصفية الجسدية بحق خصومهم في الوقت الراهن (لا سابقاً), كما فعل الإسلاميون مع فرج فوده أواسط تسعينات القرن الماضي في مصر(وحسين مروة في لبنان), علماً أن الشهيد فوده كل مافعله هو أن جمع بعض مافي التراث العربي والإسلامي من فضائح.. ذلك التراث الذي ينافح عنه القوميون(!), وهم بذلك –شاءوا أم أبوا- يشكلون القوة الحقيقية الضاربة للسلفية الإسلامية, هذا من جهة, ومن جهة أخرى يقفون حجر عثرة في وجه التقدم أي تقدم كان. ولا غرابة في هذا مطلقاً, إذ القوميون العرب والإسلاميون نتاج ثقافة واحدة, وهي ثقافة اقصائية استئصالية (تجبّ ما قبلها) من دون شك (وشخصياً أعتقد أنها ثقافة ادعائية).
وحقاً, كثيراً ما ترددت في هدر بعض وقتي, للرد على قوم يفخرون أنهم يثورون لأجل حجاب ويجعلون منه "قضية", في الوقت الذي لا يؤرقهم فيه وجود عشرات آلاف المساجين السياسيين والرأي والمنفيين في البلدان التي تحكمها أنظمة –مرة أخرى- عربية مع الآسف. تماماً كما لا يحرك فيهم ساكناً مايجري في غزة على مرأى أعينهم وسمعهم, في الوقت الذي تحرك فيه أكثر من مليون دنمركي لأجل غزة وأطفالها في مسيرة شموع.
ومما يحزّ في نفسي, أن أضطر للرد على نفر, ينتمون إلى قوم لم يقدّموا شيئاً يُذكر للبشرية, طوال قرون من الزمن, سوى من هم, في فاعليتهم وأثرهم, على شاكلة ابن لادن وأيمن الظواهري (فمن المعروف إن العرب دخلوا التاريخ في العصر الحديث بفضل "جهاد" ابن لادن وأمثاله لا بجهود المبدعين والمفكرين– حتى الإبرة لايتقنون صناعتها!).
بالعودة إلى ماجاء في بعض الردود, أستغرب فعلاً كيف يسمحُ أحدهم لنفسه بانتقادي في ما يخصّ اللغة العربية, التي لا أدّعي "شرف" إتقانها, في الوقت الذي لايعرف فيه هو اللغة التي ينافح عنها, إلى درجة لا يعرف معها قراءة اسمي! وإن كنت غير ملزم بالرد عليه وعلى تهديده "الطالباني" المبطن, لا بأس من أذكّره باسم الشخصية الإسلامية "أُبيّ بن كعب", وحال لم يكن يسمع به, وهذا احتمال وارد جداً, فإني أفترض أنه يسمع بالشخصية الأخرى, التي ظهرت في صدر الإسلام, وأعني "عبد الله بن أُبيّ".
وحال كان ضليعاً في اللغة, كما أراد أن يوهمني, حبذا لو ينظر لي في الآيات التالية, الواردة في الذكر الحكيم, وليعطني رأيه من بعد قراءتها, مجدداً -اللهم حال كان يجيد العربية حقاً!, والآيات, على سبيل المثال, هي الآية 9 من سورة الحجرات: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما", والآية 162 من سورة النساء: "لكنّ الراسخون في العلم منهم والمؤمنون بما أُنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً", والآية 63 من سورة طه: "إن هذان لساحران". شخصياً لا أزعم مقدرة الإجابة على السؤال الذي طرحته للأخ "الفقيه" اللغوي, وبصدق أتمنى أن أجد في الأزهر من يجيبني عليه إجابة منطقية, عوضاً عن انشغال بعض "علمائه" بفتاوى من قبيل رضاعة الكبير, أو ملاحقة "الجلاد" يوسف البدري لمثقفي بلاده.
بالانتقال إلى تساؤل السيد سامي شرف, في ما يخصّ السيدة هاجر, يقول ما نصه حرفياً: "من هي أم العرب أليست السيدة هاجر المصرية زوجة سيدنا إبراهيم وأم سيدنا إسماعيل الملقب بأبو العرب في بعض الكتابات والباحثين". فكما يبدو لنا إن كلمة بعض الباحثين فضفاضة ولا تؤدي إلى نتيجة. أكثر من ذلك هناك باحثون لايتمتعون بأدنى أخلاق الأمانة العلمية المفترض أن يتحلى بها باحث من الدرجة السادسة, فمثلاً ظهر باحث في مصر في القرن العشرين يُدعى سعيد كيلاني, وضع كتاباً بعنوان "أثر التشيّع في الأدب العربي", ادعى فيه أن الشعر الذي قاله يزيد بن معاوية:
" لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندق إن لم انتقم من بني أحمد ما كان فعل"
من وضع الشيعة, طبعاً ولم يكلّف نفسه السيد كيلاني عناء البحث كما هو واضح من اتهامه! و لا أدري حال قُدّر لذاك الباحث أن يكتب بحثاً في عصرنا هذا يتطرق فيه إلى قصف الكعبة بالمنجنيق في العهد الأموي, واقتحامها في عهد آل سعود أواخر سبعينات القرن الماضي, إن كان سينسبه إلى الولايات المتحدة أو بريطانية, وقل الأمر نفسه في قتل يزيد للحسين بن علي!
أياً يكن الأمر, سبق أن ناشدت السيدة هاجر الله عزّ وجلّ قائلة: "يشمعئيل", وهذه الكلمة عبرية ترجمتها الحرفية باللغة العربية "يسمعُ الله", ويشمعئيل في العبري يقابلها إسماعيل في العربي (والمدقق في اسم إسماعيل كما يرد في اللغة العربية يجد خلوه من أي معنى يدل على فعل على نقيض معناه في العبري!). ولأن السيدة هاجر ناشدت الله سمّت ابنها إسماعيل بذلك الاسم تيمناً وتبركاً, أي يسمعُ الله. ومن المعروف أن "إيل" هو اسم الجلالة في بعض اللغات (أو اللهجات) السامية. وفي ما يخصّ سيدنا إبراهيم (زوج هاجر) هو كلداني كما هو معروف, وزواجه من السيدة هاجر (المصرية) ليس دليلاً علمياً أو تاريخياً يؤكد عروبة مصر في ذياك الزمن!, وهذا لايقلل من قيمة مصر وأهميتها وأهمية دورها. ولمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع, يمكن للقارئ العودة إلى كتاب "إبراهيم بين الرواية التاريخية والمثيولوجية" للباحث نبيل فياض (لا ندري إن كان البعض سينغصه الاستشهاد ببحث نبيل فياض؟)، ومن يريد الغوص أكثر في أصول تلك الأصول وخلفياتها الحضارية والثقافية, يمكنه الاستفادة, بشكل أو بآخر, من الأبحاث التي قدمها الجهبذ فراس السواح.
غني عن البيان, أن ما سبق ذكره في ما يتعلّق بالسيدة هاجر وسيدنا إبراهيم وإسماعيل, لن يسرّ غالبية الناس لهذا السبب الإيديولوجي أو ذاك, وهذا ليس شأني. وفي الوقت ذاته أحب أن أؤكد انه على الرغم من الخلاف الإيديولوجي العميق بين العرب وإسرائيل, فهذا لا يعني –من وجهة نظري المتواضعة- أن كل ما يصدر عن اليهود باطل لأننا نعاديهم, وليس كل ما يصدر عن العرب صواب لأننا نحابيهم, إطلاقاً. وهذا لا ينفي مطلقاً أن اليهود أو الصهاينة يحاولون سرقة ما تيسر لهم من التراث العربي وسواه بغية نسبه إليهم, قبالة ذلك نجد أيضاً أن العرب يكذبون ويدّعون كذلك (تأمل فقط كذب قادتهم على شعوبها طوال عقود من الزمن), متناسين قوله تعالى: "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون", وبالتأكيد ليست مهمتي تعقب سرقات اليهود للتراث العربي وسواه في الوقت الذي لايعلم فيه سوى الله والراسخين في العلم حجم الأموال التي يصرفها آل سعود في ملاهي لاس فيغاس وكان!, والفائض منها في ملاهي مساكن برزة في دمشق, ومن ثم دعم الإرهاب "تقرباً" إلى الله.
ما سبق ذكره عن سيدنا إبراهيم وولده, لا ينفي مطلقاً كون السيد الرسول(ص) من ذريتهما (وكذلك سيدنا موسى). ويُروى عنه صلوات الله عليه إنه قال: "إني ابن الذبيحين", قاصداً بهذا أنه من ذرية سيدنا إسماعيل, وفي الوقت نفسه ابن عبد الله بن عبد المطلب الذي فداه والده بمئة ناقة نزولاً عند رغبة أو تدخل شرفاء قريش. لكن هذا لا يعني أن العرب كانوا أمة, أو أن لهجتهم هي التي كانت مسيطرة لترتقي بذلك إلى مستوى اللغة التي كرسها الإسلام وتحديداً القرآن الكريم, بل كان هناك مجموعة من الأقوام السامية, والعرب إحداها, وكانت لهجاتهم متقاربة إلى حد بعيد, كأن تقول بالأوغاريتي: "جملو رعو عشبو" أي: جمل يرعى العشب.
في ما يتعلّق بعروبة مصر (علماً أنهم حاميون), حتى الآن لا أدري أين الغضاضة بأن لا تكون مصر عربية بالمعنى العرقي (من دون أن نغفل تداخل شعوب المنطقة ببعضها –عبر التاريخ- بحكم الأمر الواقع), ولا أعرف ما هي المغريات الموجودة لدى العرب كي يزايدوا على العرب بالعروبة (تاريخياً في الحد الأدنى)!, فعلى الأقل عندما كانت هوية مصر فرعونية كان لها شرف بناء الأهرامات(بمعزل عن الضحايا التي زُهقت في سبيل بنائها), أما من بعد أن دخلها الإسلام وتكرّست فيها العروبة, فقد كانت النتيجة هذه الفتاوى التي يصفعنا بها فلاسفة "أكاديمية" الأزهر بين حين وآخر, ومشائخ جلادون على شاكلة سيد طنطاوي يفتي بجلد الصحفيين أو يوسف البدري.. والبقية المفترض أن يعرفها السيد سامي شرف والدكتور ........
ختاماً: كل الشكر لأصحاب الردود, بالرغم مما ورد من قساوة وتجريح في بعضها, وأتمنى أن يكون هذا أول وآخر رد أضطر لكتابته حول ما يُكتب بشأن بعض كتاباتي التي لا يعنيني إن كانت تسرّ زيداً من القرّاء أو تزعج عمراً منهم.