كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

فؤاد السنيورة: متى كانت الدولة حتى تسقط؟

أُبيّ حسن: ( كلنا شركاء ) 14/5/2008


"لن نسمح أن تسقط الدولة بيد الانقلابيين", هذه الجملة قالها دولة الرئيس فؤاد السنيورة ضمن خطاب, في أول إطلالة تلفزيونية له عقب الأحداث التي شهدها لبنان مؤخراً. طبعاً ومن تابع(ويتابع) إعلام قناة "العربية" وموقفها من الأحداث الجارية في لبنان لا يستبعد أن يكون استقى كاتب خطابات الرئيس السنيورة تلك العبارة من قناة "العربية!.
يحيلنا كلام الرئيس السنيورة إلى أنه كان ثمة وجود للدولة –بحسب وجهة نظره- وثمة انقلابيون يقودهم حزب الله هدفهم إسقاط تلك "الدولة"!.
ليست الغاية من هذا المقال مناقشة الدولة ومفهومها, ووجودها من عدمه, في ما يسمى وطن عربي ككل لا في لبنان فحسب, لكن هذا لا يمنع من أن يحار أحدنا بالدولة التي يعنيها السيد فؤاد السنيورة؟! وسيحار أكثر إذا ما تمعن أحدنا في كيفية إدارته للحكم طوال السنتين الماضيتين!, وهي طريقة جعلت الكثيرين يترحمون على أنظمة الحكم الشمولية العربية التي بدت أقل ظلماً منه بأشواط كثيرة أثناء تعاملها مع الشريك في الوطن, وأقل تبعية للخارج من الدولة التي يعنيها دولته بما لا يدع مجالاً للمقارنة!. ويحق لأحدنا أن يسأل دولته: ترى هل كان موقف حكومته, من حرب تموز 2006 موقف رجل دولة؟! لا نعتقد أن دولته نسي فضيحة ضيافة الشاي للجنود الإسرائيليين في مرجعيون برعاية "كريمة" من الوزير أحمد فتفت؟. ولم تنس ذاكرتنا موقف "دول الاعتدال" العربي من تلك الحرب, وهي مواقف باتت أكثر عدوانية في موقفها من حزب الله والأحداث الأخيرة التي جرت(وتجري) في لبنان.
فعلاً أي دولة يعنيها الرئيس السنيورة؟ هل هي الدولة التي كان يراهن "رجالها" وبعض أقطابها على حسم إسرائيل للصراع مع حزب الله في أقل من أسبوع في تموز 2006؟. لا بأس أن أثبت هنا ما أفادني به الدكتور خالد حدادة الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني بعد انتهاء تلك الحرب, إذ قال لي, بما معناه, أنه قام بزيارة على أقطاب الحكومة اللبنانية(حكومة الرئيس السنيورة لا سواها) في اليومين الأولين من بدء تلك الحرب, وطلب منهم الوقوف صفاً واحداً مع حزب الله فيها, وقد كان جوابهم له: "الأمور ستنتهي قريباً وخلال أسبوع, وبعدها نرتاح", قاصدين بذلك أن إسرائيل في ظرف أسبوع تقضي على حزب الله وتريحهم منه!.
من الصعب أن يُطلب من السيد فؤاد السنيورة أن يقف وقفة شجاعة كالتي وقفها الرئيس عمر كرامة عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري من خلال تقديمه لاستقالته, إذ قدّم الرئيس عمر كرامة في استقالته تلك درساً بليغاً للسياسيين الحقيقيين في كيفية احترام السياسي للسياسة والذات في آن واحد.
وحال كان يصعب على الرئيس فؤاد السنيورة أن يماثل في موقفه الرئيس كرامي أو صعُب عليه أن يتعلّم منه شيئاً, فليتجنّب فقط الكذب على اللبنانيين والجماهير العربية المعنية بأحداث النكبة اللبنانية الراهنة مقتدياً بذلك بحلفائه الأمريكيين من خلال نبذهم الكذب أثناء تعاطيهم السياسة مع جماهيرهم!, فمثلاً لم يكن العار الذي لحق بالرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون ناجماً عن فضيحته الجنسية مع مونيكا لوينسكي(فهذا شأن شخصي) بل العار لأنه كذب على شعبه من خلال إنكاره لتلك العلاقة وقسمه يميناً كاذباً بهذا الخصوص!. الرئيس فؤاد السنيورة, خلال أربع وعشرين ساعة يقول الشيء ونقيضه, وفي ماذا؟ في القضية التي أشعلت فتيل الأزمة في لبنان, شبكة الاتصالات نعني, متناسياً دولته أن المثل العربي يقول: "الكذب ملح الرجال", وهل ثمة من يشك في عروبة الرئيس فؤاد السنيورة؟!.
"لن ندع الدولة تسقط بيد الانقلابيين", لا يوجد دولة كي تسقط يا دولة الرئيس, فما هي هذه الدولة التي يدرك رئيس حكومتها أن بعضاً من أعضاء وزارته على علاقة مباشرة(وتاريخية) مع العدو الوحيد للمقاومة(وللحكومة كما تدّعي هذه الحكومة!) التي يراد منها أن يكون سلاحها تحت إشراف هذه الحكومة؟! لعلها مفارقة لا يمكن حتى للدكتور رضوان السيد أن يجيب عليها, لذلك صار مفكرنا "الجليل" يتفرغ لصوغ خطابات سياسية(بحكم موقعه كمستشار لدى فريق رئيسي في 14 آذار) حاملها إثارة الفتنة المذهبية في لبنان برعاية "سخية" من المملكة العربية السعودية.
أن غياب مفهوم الدولة- الأمة في البلاد العربية تاريخياً وراهناً, وفي مقدمتهم لبنان, كان من شأنه أن أوجد فراعاً جيوسياسياً في المنطقة بفعل الأحداث المتسارعة, كان من الطبيعي أن تسارع دولة-أمة كإيران لتعبئته, بعد انتصار ثورتها(بمعزل عن رأينا الشخصي بتلك الثورة وطرق تصديرها), في ظل انشغال القبائل العربية المعاصرة في صراعات عربية- عربية. ولا نستطيع لوم العرب في هذا, فهم ما زالوا في طور الدولة- القبيلة, وهيهات أن يرتقوا إلى مستوى الدولة- الأمة في ظل العقلية السائدة لديهم, اللهم إن جاز تسمية ما لديهم عقلاً!.
أضف إلى ذلك أن تلك القبائل التي نعني ما تزال استهلاكية في كل شيء بما في ذلك الدفاع عن بقائها ووجودها! إذ من المعروف أنها تستورد حتى الحماية الأجنبية بغية الحفاظ على سلطاتها على قبائلها والحماية من عدوان شقيقاتها القبائل المجاورة في الوقت نفسه!.
مخطئ الرئيس فؤاد السنيورة إن كان يعتقد أن أشقاءه في قبائل الاعتدال العربي سيكون بمقدورهم إعادة عقارب الساعة إلى الوراء, فمن عجز أن يرجع إلى حدود 1948 وحتى حدود 1967 لن يكون بمقدوره مواجهة دولة- أمة باتت على وشك دخول النادي النووي, وهذا أحد أهم أسباب الارتماء العلني لتلك القبائل العربية المعاصرة في الأحضان الأمريكية وحتى الإسرائيلية.
قبالة ذلك, مطلوب من السيد حسن نصر الله أن يوضح موقفه من دعم حلفائه الإيرانيين لحلفاء الولايات المتحدة في العراق, فعلاً ما هو موقف سماحته من دعم إيران لبعض الشيعة العراقيين المتحالفين مع كوندليزا رايس وجورج بوش الخ..؟. سماحته لم يطلب التعاطف من الجماهير بل طلب التفهّم للوضع في لبنان, ومن حق تلك الجماهير أن تعرف موقفه من تناقضات حليفه الإيراني في ما سبق ذكره.
"لن نسمح أن تسقط الدولة بيد الانقلابيين", الدولة لم تسقط يا دولة الرئيس, لأنها لم تر النور كي تسقط بعد, لكن من سقط مع الأسف هو "دولتكم" وبئس السقطة كانت.