هل تكفي اللغة كحامل للهوية؟
أُبيّ حسن
(كلنا شركاء): 14 نيسان 2008
سبق للكاتب المصري المعروف أسامة أنور عكاشة أن دعا المصريين أن "يفيقوا" من حالة "الدروشة القومية" التي تلبستهم منذ منتصف خمسينات القرن الماضي ومازالوا يترنحون تحت خدرها حتى اليوم، مرتأياً إن العرب هم فقط أهل شبه الجزيرة العرب في السعودية ودول الخليج العربي وساحل عمان والساحل اليمني والبحر الأحمر "وكالات/28/5/2007".
يقيناً إن دعوة عكاشة تلك لم تكن لتبزغ من عدم، وهو الناصري الشرس"سابقاً". ومن المعروف إن دعوة عكاشة تلك أثارت ردود أفعال ثقافية في حينها، وهي ردود أفعال لم يحظ بمثليها طه حسين إبان لفظه العروبة من قاموسه الفكري قبيل أن يتبرّأ عكاشة منها بما يزيد عن نصف القرن.
وإذا ما تأملنا حال عكاشة وطه حسين في مايخصّ العروبة وموقفهما منها، وبقليل من الإنصاف نجد أن الشعب المصري فرعوني العرق ولا علاقة له بالعرب والعروبة بالمعنى العرقي، ولولا الرابطة الإسلامية والثقافة الإسلامية المنطوية على العروبة والمهيمنة على الشارع المصري لكانت مصر أُمة مكتملة العناصر بحد ذاتها!، وقد كانت كذلك فعلاً قبل دخول الإسلام إليها، نقول هذا على الرغم من هشاشة أوضاعها الداخلية قبل معرفتها بالإسلام!.
نسوق ما سبق ذكره انطلاقاً من حالة "الهوس" التي أتخمنا بها عتاة القوميين والبعثيين، وهم يحدثوننا عن أمة عربية مكتملة العناصر عمادها اللغة من دون أن يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عما إذا كانت اللغة تكفي لصنع رابطة وجدانية وفكرية وثقافية بين مشرق عربي ومغربه!.
ولن يغيب عن البال كيفية قفز القوميين والبعثيين وسواهم الكثير من المصابين بلوثة القومية العربية فوق الفروقات الواقعية الكائنة بين الأقاليم العربية؟، فعلى سبيل المثال هل يمكن مقاربة أو مقارنة مجتمعات عرفت لوثة العلمانية بمجتمعات بالكاد خرجت من بداوتها؟.
بمعنى آخر، هل يمكن مقارنة بلدان لها أكثر من نصف قرن"قبل أن ترتد معظم مكوناتها الاجتماعية" كسورية ومصر وتونس، تحقق مكاسب للمرأة التي ساهمت هي ذاتها أيضاً في تحقيقها، ببلد بالأمس حتى بدأ بعض ناشطيه يطالبون بالترخيص لأول منظمة تناصر المرأة كالسعودية!؟.
فما بالنا إذا ما أضفنا إلى ماسبق ذكره هو أن تلك المملكة السعودية من بعد أن شهدت "نعمة" فورة النفط صارت عبارة عن مملكة تُصدر –بفعل من إيديولوجيتها الدينية- الإرهاب الفكري المولّد للأشكال الإرهابية الأخرى والتخلّف"على مايبدو تريد منافسة جمهورية "الأخوة" الملالي في إيران" إلى أربع جهات الأرض!. وليس من قبيل المصادفة أن تعقد رابطة العقلانيين العرب مؤتمراً في أوائل أيلول 2007، في جامعة "كينغز كولدج" اللندنية تحت عنوان "مملكة بلا حدود"، ولعل العنوان وحده يُحيلنا إلى الخطر الذي باتت تشكله تلك المملكة بإيديولوجيتها الوهابية"سابقاً وراهناً"على العالم أجمع وليس على العالمين الإسلامي والعربي فحسب!.
عود على بدء، لم تكن اللغة يوماً عاملاً حاسماً في تشكيل هُويّة جامعة مانعة، وهذا لاينفي دورها في تكوين الهوية وصوغها، وقد يكون الدور هنا جزئياً ومحدوداً لاتنطبق عليه صفة الشمولية. ولو كان الأمر غير ذلك بماذا سنفسر حفاظ الشركس والأرمن والآشوريين والكرد، لا بل وحتى النوَر، على لغاتهم القومية في أي بلد يعيشون فيه، مع تكيفهم النسبي مع الهُويّة الوطنية"النسبية" للبلدان التي يتواجدون فيها؟. وهم في هذا شأنهم شأن الايرلنديين، فكما يقول شكيب أرسلان: "إن الايرلنديين مثلاً أمة صغيرة مجاورة للإنكليز، وقد بذل هؤلاء جميع ما يتصوره العقل من الجهود ليدمجوهم في سوادهم مدة تزيد على سبعمائة سنة، فأبوا أن يصيروا إنكليزاً ولبثوا أيرلنديين بلسانهم وعقيدتهم وأذواقهم وعاداتهم"، وفي السياق ذاته نجد أن لألمان قد هذّبوا "أمة المجر وعلموهم ورقوهم ولكنهم لم يتمكنوا من إدماجهم في الألمانية، فتجدهم أحرص الأمم على لغتهم المغولية الأصل وعلى قوميتهم المجرية".
وتأكيداً لصحة ماذهبنا إليه لننظر إلى أمريكا اللاتينية، سنجد أنها كلها، باستثناء البرازيل، تنطق بالأسبانية، وهي اللغة الرسمية لبلدان تلك القارة!، بالرغم من ذلك فإن الواقع يقول إن هُويّة الأرجنتيني غير هُويّة الرجل الأسباني، والأمر ذاته بين الأسباني وابن الأرغواي، وهذا الأخير وابن البرغواي!.
لكن، وبالرغم من تواجد اللغة كعامل مشترك بين البرازيل والبرتغال غير أنها لم تكن كفيلة بنقل رقصة السامبا البرازيلية إلى البرتغال، تماماً كما لم تكن اللغة الأسبانية عاملا حاسماً في نقل الثقافة الأرجنتينية بما فيها رقصة التانغو إلى أسبانية. وكذلك لم تكن، أي اللغة، لتسمح بنقل مصارعة الثيران التي تشتهر بها أسبانية إلى أمريكا اللاتينية!.
ثمة تنويه صغير أحب أن ألفت الانتباه إليه هنا، ألا وهو أن أكبر جالية في الأرجنتين هي الجالية الإيطالية، بمعنى أنهم يدينون بالكاثوليكية، إذاً الرابطة بين الأرجنتين وأسبانية ليست لغوية فحسب، كذلك هي دينية، وبالرغم من هذا عجزت عن تكوين هُويّة واحدة بين البلدين!.
ولم تكن الجغرافية الطبيعية لذات القارة –أمريكيا الجنوبية أعني- عاملاً موحداً بين بلدانها بحيث غدت أو كادت أن تغدو بلداً واحداً!، وقد تكون متقاربة جغرافياً أكثر من التقارب الجغرافي في"ما يُسمى" الوطن العربي!.
قبالة ذلك نجد بلداناً أخرى فيها العديد من اللغات والأديان، لكنها تنطوي تحت علم واحد، كسويسرا والهند وكندا الخ... من الطبيعي أن عوامل عدة تتضافرت لجعل سويسرا مثالاً صارخاً للتعايش السلمي الذي نحلم به ونتمنى الوصول إليه جميعاً، لكن يأتي في طليعة هذه العوامل القانون والدستور الوضعي المتفق عليه من قبل مكونات المجتمع السويسري.
ومن المدهش فعلاً أنه رغم تقادم السنين التي مرت على وجود بعض القوميات ضمن محيط عربي واسع إلا أنها بقيت محافظة على لغاتها الخاصة بها!، علماً أنه جرت محاولات عدة، رسمية وغير رسمية، بغية تذويب تلك الهُويّات في الهُويّة العربية، كما سبق ورأينا في ما جرى ويجري للأكراد في سوريا والعراق"سابقاً"، وما جرى للأمازيغ في الجزائر!.
طرحت ما طرحته لأتساءل: هل تكفيني اللغة العربية كي تصبح هُويّتي وهُويّة ابن المملكة العربية السعودية، أو هُويّة ابن المغرب العربي هُويّة واحدة؟، أسأل هذا، علماً أني بالكاد أفهم لغة ابن شبه جزيرة العرب، بما فيها الفصحى، فما بالك بلهجته العامية أو المحلية!.
يقيناً لا. لا تكفي اللغة حتى تكون وعاء يجمعني بابن شبه الجزيرة العربية. فما بالنا إذا ما أضفنا إلى ذلك تلك الفروقات المعرفية التاريخية المكتسب منها وغير المكتسب الكائن في اللاشعور الجمعي لمنطقة ما، ذلك اللاشعور الذي تحدث عنه كارل يونغ، كيف ستغدو الحال آنئذ؟. مثلاً، دائماً ينتابني إحساس، بحكم البيئة التي ولدت فيها وعشت فيها طفولتي وفتوتي، أني وريث الخصوبة الفينيقية ووريث أمجادهم وحتى ثقافتهم وبعض مفردات لغتهم وحياتهم التي أشعر أنها تسكنني أكثر بكثير مما تسكنني أدبيات شبه جزيرة العرب بكل مافيها من بداوة مُحدثة!.
خلاصة القول إن العامل الأهم في تشكيل الهويّة"لاسيما الحديثة" والوعي بها، هو القانون أو الدستور الوضعي"لا الإلهي ولا السماوي" المتفق عليه مجتمعياً بموجب عقد اجتماعي تخضع له فئات اجتماعية مختلفة ومتباينة ديناً وعرقاً ضمن مساحة جغرافية محددة ينتج عنها ما اتُفق على تسميته بالوطن. وهو ما ينتج بالآتي عنه"أو هكذا يُفترض" مفهوم المواطن والمواطنة.
وبقدر ما يكون القانون سار على الكبير والصغير، المسؤول والسائل، وتنطوي تحت جناحه فئات المجتمع كافة، بمختلف أطيافها العرقية والدينية، ويقف الحاكم"أو الدولة" من خلاله على مسافة واحدة من هذه الفئات المختلفة، وربما المتنافرة والمتضادة، المعنية بهذا القانون، نكون في حالة كهذه أقرب ما نكون إلى إنتاج هُويّة وطنية محض تتراجع فيها السمات الأخرى للهُويّة لصالح هُويّة المواطنة الحقة التي"من المفترض أن" تتدحرج على صخرتها جلّ الانتماءات الأخرى؛ وفي حال حدث العكس، سيكون من الطبيعي أن تتضخم السمات العرقية والدينية والطائفية على حساب السمة الوطنية، وقد تكون عواقب حالة كهذه غير محمودة، والله أعلم!.
ملاحظة في السياق: أكد البيان الختامي لمؤتمر القمة العربية على ضرورة الاعتناء باللغة العربية، وهذا أمر جيد، لكن ذلك البيان لم يكن يخلو من العديد من الأخطاء اللغوية بحسب رأي أدونيس. من جانب آخر، حتى الآن لم أستطع أن أفهم كيف يمكن أن يكون الملك عبد الله بن عبد العزيز "خادم" الحرمين عربياً وممثلاً للعروبة ومنافحاً عنها، وهو لايجيد العربية! طبعاً والأمر نفسه ينطبق على ربيبه سعد الحريري.. تحيا العروبة!.