مجتمعنا متخلف، فلماذا أنتم غاضبون؟
2016.05.10
إلى الشهيدة هدى أبو عسلي التي شهدت دماؤها على طائفية مجتمعنا
أُبيّ حسن- دمشق
"الفائدة البسيطة والفائدة المركبة ذهبت عبثاً، فمعلمة الرياضيات لم تضمّن ورقة الامتحان أي سؤال من هذين الدرسين. والسبب أن الفائدة حرام. أما معلمة العلوم الطبيعية فحذفت من كتاب العلوم فصلا كاملا هو التكاثر البشري.
.. إن كارثة تسو نامي ليست كارثة طبيعية ناجمة عن زلزال عنيف في قاع البحر، إنما هي غضب من الله على تلك البلدان، لأنها تسمح للسياح بأن يأتوا إليها بملابس مخلّة بالآداب، إذ يسبحون معا بملابس السباحة.. والتثاؤب بفم مفتوح مكروه لأن الشيطان يدخل من فمك إلى جوفك.. والقمر انشق، وممكن من الناحية الدينية، أما أن تطلب من الأولاد النظر إليه من خلال منظار ليروا الشق بأم أعينهم، فهذا امتهان للعلم والدين معاً.. والإنترنت لا بأس به، ولكن علينا أن نختار المواقع بعناية". وتنصح الرفيقة (القبيسية، ربما) معلمة طلاب الصف الثالث الابتدائي طلابها الأطفال بتصفح موقع سجن أبو غريب (؟!) هذا في حال كان لابد لهم من تصفح شبكة الإنترنت، كما تنصحهم بمشاهدة محطتي "اقرأ" و"المجد" التلفزيونيتين(؟!)، اللهم لا لشيء، فقط كي لا تفوقها زميلتها (القبيسية الأخرى) مدرسة الرياضيات، التي حذفت درسي الفائدة البسيط والمركبة، "ورعاً وتقى"، وبالتالي قرباً من الله عزّ وجلّ.
ما ذكرته بين قوسين، أعلاه، نقلاً عن جريد "النور" السورية عدد (206)13/7/ 2005، وهي تتحدث عن وضع مدرسة خاصة اسمها "دوحة الرحاب"، في ظل صمت مطبق من قبل الأهالي (قبل الجهات الرسمية) الراضين بسلوك المدرسة وتصرفها من هذه الناحية، ما يعني قناعتهم بالزاد "المعرفي" الذي يتلقاه أبناؤهم فيها، بدليل أنهم قبلوا بكل رحابة صدر أن يدفعوا الزيادة التي طرأت على رسومها (الباهظة أصلاً) بنسبة تفوق الخمسين بالمئة العام الفائت. قبول الأهالي هذا وصمتهم المطبق، وهم جزء من البنية التحتية المنتجة للسلطة، سيقابله صمت مماثلٌ في البنية الفوقية التي هي الدولة. وبافتراض أن ذوي طلاب "دوحة الرحاب" يمثلون عينة لها نسبتها المعتبرة عدداً، إذ تشمل بمعظمها شريحة واسعة من المجتمع السوري نسجت بطانة وعيها بخيوط واهية من الخرافة والغيب والتناقض، متخذة من هذه الخيوط الواهية "عقلاً" خاصاً بها أضفت عليه، بمرور الزمن، هالة من القداسة بحيث صار من الصعوبة بمكان نقده أو التشكيك به وبـ "قدسيته" وخرافته.
انطلاقاً مما أسلفت أجد أن ما قاله الرئيس السوري بشار الأسد لـ "در شبيغل" في حديثه الذي يضج بعناصر المأساة والذي نشرته "السفير" في 29 آب الماضي، في ما يخص مسألة التطرق إلى الدين: "لا يمكن المقارنة ببساطة بين وضعكم في الدول الغربية ووضعنا.. لنأخذ الدين على سبيل المثال، نجد في بريطانيا كتاباً يدعي مؤلفه أن للسيد المسيح أطفالاً.. ادعاء كهذا يمر في أوروبا من دون اعتراض أو إراقة دماء... لكن الحديث في سوريا عن الإسلام بإمكانه أن يؤدي إلى انتفاضة دموية.." أتى هذا الكلام دقيقاً جداً، إذ هو يعكس المزاج الفكري والثقافي السائدين في سوريا راهناً، بانتماءاتها الدينية والعرقية المتباينة. ولا أكون قد تجنيت على أحد إذا ما قلت إن الكثير من العلمانيين السوريين يقترب تفكيرهم من ذلك المزاج، وإلا بماذا نفسر تكلّف أحد الأطباء "العلمانيين"، المتفرغ للعمل في "المعارضة" السياسية، عناء الذهاب إلى قرية "الناصرية" حيث يقيم صديقه(سابقاً) الكاتب نبيل فياض، بغية سؤال أهل القرية عن المنبت الديني لصديقه؟ (بكلام أدق يريد أن يعرف إن كانت جذور نبيل سنية أم علوية، "ونعم العلمانية").
رأي الرئيس بشار هذا لم يرق لبعض الكتاب السوريين الذين تفتحت مواهبهم على صفحات الإنترنت، مستدلين في كلامهم بكتاب "نقد الفكر الديني" للمفكر السوري صادق جلال العظم، مذكّرين كيف لجأ د. العظم من بيروت إلى دمشق وليس العكس، كما هي العادة، كدلالة لا تقبل الشك على مدى الانفتاح الديني الذي يتسم به المجتمع السوري. ويستشهدون كذلك بمشروع المفكر محمد شحرور الذي رأى النور في سوريا، أيضاً كدلالة على هذا الانفتاح. لكن ما يغفله، أو يتغافله، أولئك الكتاب أن كلا المفكرين نشرا أعمالهما تحت اليافطة العلمانية (ولو كانت شكلانية) لحزب البعث، خصوصاً كتاب "نقد الفكر الديني" الذي صدر للمرة الأولى أواخر ستينات القرن الماضي، إذ كانت راديكالية البعث الشباطي هي السائدة على مستوى الثقافة الرسمية.. ومع ذلك مُنع الكتاب من دخول سوريا، كما أن مؤلفه لم ينج من لقب "الكافر الدمشقي".
أما بالنسبة لمشروع الدكتور شحرور فالقاصي والداني يعرف الحملة الصليبية التي قادها ضده رجال الكهنوت الإسلامي "المعتدل"، وكان من المحال أن يرى كتابه الأول "الكتاب والقرآن" النور في سوريا القبيسيات و(....)، لولا تدخل من الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي قال لمن أرادوا منعه :"طالما لا وجود لصحة الشائعات التي تطال المؤلف، مثل تعامله مع الخارج، فالكتاب ينشر"، وقد سمعت هذا الكلام من الدكتور شحرور أكثر من مرة.. هل من داع للتذكير بالشعارات التي رفعها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ضد د. شحرور؟ وهل ينبغي أن نذكر بالحملة الصليبية الثانية التي شنت على نبيل فياض؟ وهذا الأخير ما تزال كتبه ممنوعة في سوريا، شأنها شأن معظم كتب د. العظم، بفضل ممارسة حراس هياكل الوهم ضغوطهم على السلطة في هذا المنحى.
ليس سراً أن رجال الدين يمارسون ابتزازاً علنياً على السلطة مستمدين قوتهم من مصدرين اثنين: أولهما جهل الشارع الذي سلم قياده لهم، وثانيهما من نقاط الضعف الموضوعية (والتي ترتفع نسبتها يوماً إثر يوم) في السلطة. فبهذا هم يمنعون أي كتاب يشكك بأوهامهم، واللافت أن نسبة محاربة الكتاب تزداد طرداً بمدى ما فيه من عقلانية. ولأدلل على صحة ما أقول أذكر منع الكتاب الأخير للباحث السوري زكريا أوزون "جناية الشافعي: تخليص الأمة من فقه الأئمة "من معرض الكتاب الأخير في دمشق، علماً أن للدكتور البوطي كتاباً بعنوان مناقض عنوانه "اللامذهبية أخطر بدعة.."، وعنوان الكتاب يغنينا عن الإشارة إلى محتواه ؛ السؤال: كيف يسمح بمثل هذا الكتاب الذي يريد أسرعقولنا في الزنازين "الفكرية" للقرون الغابرة وفق فهم السلف للإسلام، والذي طبع أكثر من مرة في سوريا، ولا يسمح بتوزيع وعرض كتاب عقلاني يدعونا للتخلص من عبادة الأوثان الفكرية التي نحن بأمس الحاجة للتخلص منها نظراً لما تشكله من معوقات أمام العقل وأمام المستقبل، لا بل وأمام وجود ذواتنا في هذا العالم؟ وهل مستقبلنا مرتبط حقاً بمدى تزودنا بثقافة عذاب القبور وما هي ماهية طعام أهل الجنة، وماهية طبيعة أجسام المؤمنين والمؤمنات فيها، وكم وجبة طعام يتناولون هناك؟ وهل ستحظى المؤمنات فيها بذكور كما وعد الله عزّ وجلّ المؤمنين بحوريات؟ لاسيما أن الخطاب الإلهي لم يعد المؤمنات بشيء من هذا في كتابه! فانبرى أحد "علماء" العصر للإجابة على هذه الأسئلة "المصيرية" على شاشة التلفزيون السوري في برنامجه الأسبوعي.
وإذا كان البعث اضطر لأسباب تتعلق بتركيبة السلطة، ولأسباب أخرى، أن يمالئ التيار الديني، فهذا لا يعني أن الأمور في هذا المنحى قبل البعث كانت أفضل. إطلاقاً، فمجموعة الأديب اللبناني جورج جرداق المعنونة بـ "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" مُنعت من دخول سوريا عام 1962 وقد كانت سنتذاك إحدى حكومات الانفصال ذات ميول إسلامية، علماً أن جرداق لا يتعرض في دراسته تلك إلى موضوع الخلافة ـ الذي قد يبدو حساساً عند البعض ـ نهائياً، إنما يدرس الإمام علي من حيث هو شخصية تنطوي على قيم إنسانية كونية؟ ومن الإنصاف أن نذكّر بالمقال الذي يفتقد إلى أدنى مقومات اللباقة والحوار العلمي الذي كتبه، في ما مضى، أحد قادة الإخوان المسلمين السوريين رداً على كتاب المفكر المصري الراحل محمود أبو رية المعنون بـ "أضواء على السنة المحمدية" ما استدعى أن ترد عليه الباحثة بنت الشاطئ في مقال لها في جريدة "الأهرام" 28/7/ 1961.
شخصياً أشعر بالشفقة إزاء من يتوهمون أن مجتمعنا ناضج بما فيه الكفاية، وأنه أصبح مجتمعاً متحرراً من مخلفات الماضي من بنى قديمة كالعشائرية والطائفية والمذهبية التي زاد من استفحالها استبداد البعث، وأن مفهوم المواطن قد انتصر لديه، فأصبح جزءاً لا يتجزأ من آلية تفكيره وقناعته. وأكاد أقول أنه من المحال أن ينتصر مفهوم المواطن في ظل الثقافة السائدة، التي ارتفع رصيدها بفعل عوامل داخلية وخارجية معروفة، والتي تقف في بنيتها على النقيض من مفهوم المواطن، وإلا بماذا نفسر مواجهة الشارع المحافظ في بعض المدن السورية 1964 للبعث وهو لم يكن يعرف بعد خيره من شره؟ كما ثار ذات الشارع ضد حافظ الأسد 1970ولم يكن قد خبره بعد(!) مطالباً بأن يكون رئيس الدولة مسلما ما اضطر الرئيس الراحل للحصول على فتوى من الإمام الغائب موسى الصدر؟ ترى لو كان هذا المجتمع صحياً ويتمتع بروح المواطنة ومتخلصاً من ركام التراث لصالح رياح الحضارة وما بثه عصر النهضة (الذي ذهب نتاجه عبثاً كما يبدو) هل كان يسأل عن دين رئيس دولته؟ ومتى؟ في الثلث الأخير من القرن العشرين!
وأليس بعض هذا المجتمع هو الذي ثار هائجاً منصباً نفسه خليفة عن الله عزّ وجلّ عندما تعرض أحد الكتاب إلى الذات الإلهية منتقداً عام 1967في إحدى المجلات السورية؟
عود على بدء، لماذا لم يثر الشارع العلماني في سوريا ضد السلوك غير الأخلاقي للمدرستين اللتين حذفتا ما أرادتا من منهاج قررته وزارة التربية، وهو سلوك لا تخفى دلالته؟ وإذا كانت السلطة مضطرة للممالأة لأسباب لا تجهلها المعارضة بمختلف تلاوينها، فما هي مبررات الممالأة لدى العلمانيين؟ وبماذا يختلفون في صمتهم عن ذلك المعارض "العلماني" الذي طلب من أحد الكتاب السوريين المعروفين بتمردهم على الجمود في الفقه الإسلامي أن لا يكتب مقالات نقدية ضد التيار الإسلامي كي لا يخسر الشارع (في مستقبله السياسي الذي يعده به فريد الغادري). لن أجيب عن هذا السؤال الذي سنجد الإجابة عليه، وعلى أسئلة كثيرة غيره، في فيلم عن المعارضة السورية بعنوان "الزمن السوري" للمخرج نبيل ملحم والمفترض أن يعرض خلال شهر.
هل يدرك هؤلاء العلمانيون أن د. البوطي الذي لم نسمع له رأياً في حادثة حذف مقررات تتعلق بالتكاثر البشري وسواها هو ذاته كان من الذين يرون ضرورة في نشر الثقافة الجنسية، معلناً أن الدين يقدم للمسلم من هذه الثقافة كل احتياجاته، داعياً إلى اهتمام رسمي من قبل المسؤولين في علم التربية والطب والاجتماع كي يضبطوا تقديم هذه الثقافة مخافة إفسادها من قبل البعض (راجع مجلة "جيش الشعب" العدد 1385 تاريخ 13 آذار 1979)، أين هو الآن صوت د. البوطي من إفساد المعلمات لعقل الطلبة بخرافات وأوهام تحت يافطة إسلامية؟
صحيح أن المجتمع العلماني لا ينمو بين ليلة وضحاها، ولن تعرف سوريا العلمنة إلا إذا تم الفصل رسميا بين الدين والدولة، وهذا لن يتأتى بقرار رسمي قدر ماهو بحاجة إلى بذل العلمانيين (أو بقاياهم) قصارى جهودهم في نقد التراث دون شفقة أو رحمة، وفي سعيهم لبث روح العلمنة التي لاتتعارض مع الدين إنما مع فهم بعض رجال الدين للنص واحتكارهم له تحت ذرائع واهية، والعمل بغية الضغط لإدخال علم الأديان المقارن في مناهج التعليم في مراحله المختلفة، فبمعزل عن أنه ضرورة علمية تساهم في نشر العلمنة هو واجب أخلاقي.
أُبيّ حسن- دمشق
"الفائدة البسيطة والفائدة المركبة ذهبت عبثاً، فمعلمة الرياضيات لم تضمّن ورقة الامتحان أي سؤال من هذين الدرسين. والسبب أن الفائدة حرام. أما معلمة العلوم الطبيعية فحذفت من كتاب العلوم فصلا كاملا هو التكاثر البشري.
.. إن كارثة تسو نامي ليست كارثة طبيعية ناجمة عن زلزال عنيف في قاع البحر، إنما هي غضب من الله على تلك البلدان، لأنها تسمح للسياح بأن يأتوا إليها بملابس مخلّة بالآداب، إذ يسبحون معا بملابس السباحة.. والتثاؤب بفم مفتوح مكروه لأن الشيطان يدخل من فمك إلى جوفك.. والقمر انشق، وممكن من الناحية الدينية، أما أن تطلب من الأولاد النظر إليه من خلال منظار ليروا الشق بأم أعينهم، فهذا امتهان للعلم والدين معاً.. والإنترنت لا بأس به، ولكن علينا أن نختار المواقع بعناية". وتنصح الرفيقة (القبيسية، ربما) معلمة طلاب الصف الثالث الابتدائي طلابها الأطفال بتصفح موقع سجن أبو غريب (؟!) هذا في حال كان لابد لهم من تصفح شبكة الإنترنت، كما تنصحهم بمشاهدة محطتي "اقرأ" و"المجد" التلفزيونيتين(؟!)، اللهم لا لشيء، فقط كي لا تفوقها زميلتها (القبيسية الأخرى) مدرسة الرياضيات، التي حذفت درسي الفائدة البسيط والمركبة، "ورعاً وتقى"، وبالتالي قرباً من الله عزّ وجلّ.
ما ذكرته بين قوسين، أعلاه، نقلاً عن جريد "النور" السورية عدد (206)13/7/ 2005، وهي تتحدث عن وضع مدرسة خاصة اسمها "دوحة الرحاب"، في ظل صمت مطبق من قبل الأهالي (قبل الجهات الرسمية) الراضين بسلوك المدرسة وتصرفها من هذه الناحية، ما يعني قناعتهم بالزاد "المعرفي" الذي يتلقاه أبناؤهم فيها، بدليل أنهم قبلوا بكل رحابة صدر أن يدفعوا الزيادة التي طرأت على رسومها (الباهظة أصلاً) بنسبة تفوق الخمسين بالمئة العام الفائت. قبول الأهالي هذا وصمتهم المطبق، وهم جزء من البنية التحتية المنتجة للسلطة، سيقابله صمت مماثلٌ في البنية الفوقية التي هي الدولة. وبافتراض أن ذوي طلاب "دوحة الرحاب" يمثلون عينة لها نسبتها المعتبرة عدداً، إذ تشمل بمعظمها شريحة واسعة من المجتمع السوري نسجت بطانة وعيها بخيوط واهية من الخرافة والغيب والتناقض، متخذة من هذه الخيوط الواهية "عقلاً" خاصاً بها أضفت عليه، بمرور الزمن، هالة من القداسة بحيث صار من الصعوبة بمكان نقده أو التشكيك به وبـ "قدسيته" وخرافته.
انطلاقاً مما أسلفت أجد أن ما قاله الرئيس السوري بشار الأسد لـ "در شبيغل" في حديثه الذي يضج بعناصر المأساة والذي نشرته "السفير" في 29 آب الماضي، في ما يخص مسألة التطرق إلى الدين: "لا يمكن المقارنة ببساطة بين وضعكم في الدول الغربية ووضعنا.. لنأخذ الدين على سبيل المثال، نجد في بريطانيا كتاباً يدعي مؤلفه أن للسيد المسيح أطفالاً.. ادعاء كهذا يمر في أوروبا من دون اعتراض أو إراقة دماء... لكن الحديث في سوريا عن الإسلام بإمكانه أن يؤدي إلى انتفاضة دموية.." أتى هذا الكلام دقيقاً جداً، إذ هو يعكس المزاج الفكري والثقافي السائدين في سوريا راهناً، بانتماءاتها الدينية والعرقية المتباينة. ولا أكون قد تجنيت على أحد إذا ما قلت إن الكثير من العلمانيين السوريين يقترب تفكيرهم من ذلك المزاج، وإلا بماذا نفسر تكلّف أحد الأطباء "العلمانيين"، المتفرغ للعمل في "المعارضة" السياسية، عناء الذهاب إلى قرية "الناصرية" حيث يقيم صديقه(سابقاً) الكاتب نبيل فياض، بغية سؤال أهل القرية عن المنبت الديني لصديقه؟ (بكلام أدق يريد أن يعرف إن كانت جذور نبيل سنية أم علوية، "ونعم العلمانية").
رأي الرئيس بشار هذا لم يرق لبعض الكتاب السوريين الذين تفتحت مواهبهم على صفحات الإنترنت، مستدلين في كلامهم بكتاب "نقد الفكر الديني" للمفكر السوري صادق جلال العظم، مذكّرين كيف لجأ د. العظم من بيروت إلى دمشق وليس العكس، كما هي العادة، كدلالة لا تقبل الشك على مدى الانفتاح الديني الذي يتسم به المجتمع السوري. ويستشهدون كذلك بمشروع المفكر محمد شحرور الذي رأى النور في سوريا، أيضاً كدلالة على هذا الانفتاح. لكن ما يغفله، أو يتغافله، أولئك الكتاب أن كلا المفكرين نشرا أعمالهما تحت اليافطة العلمانية (ولو كانت شكلانية) لحزب البعث، خصوصاً كتاب "نقد الفكر الديني" الذي صدر للمرة الأولى أواخر ستينات القرن الماضي، إذ كانت راديكالية البعث الشباطي هي السائدة على مستوى الثقافة الرسمية.. ومع ذلك مُنع الكتاب من دخول سوريا، كما أن مؤلفه لم ينج من لقب "الكافر الدمشقي".
أما بالنسبة لمشروع الدكتور شحرور فالقاصي والداني يعرف الحملة الصليبية التي قادها ضده رجال الكهنوت الإسلامي "المعتدل"، وكان من المحال أن يرى كتابه الأول "الكتاب والقرآن" النور في سوريا القبيسيات و(....)، لولا تدخل من الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي قال لمن أرادوا منعه :"طالما لا وجود لصحة الشائعات التي تطال المؤلف، مثل تعامله مع الخارج، فالكتاب ينشر"، وقد سمعت هذا الكلام من الدكتور شحرور أكثر من مرة.. هل من داع للتذكير بالشعارات التي رفعها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ضد د. شحرور؟ وهل ينبغي أن نذكر بالحملة الصليبية الثانية التي شنت على نبيل فياض؟ وهذا الأخير ما تزال كتبه ممنوعة في سوريا، شأنها شأن معظم كتب د. العظم، بفضل ممارسة حراس هياكل الوهم ضغوطهم على السلطة في هذا المنحى.
ليس سراً أن رجال الدين يمارسون ابتزازاً علنياً على السلطة مستمدين قوتهم من مصدرين اثنين: أولهما جهل الشارع الذي سلم قياده لهم، وثانيهما من نقاط الضعف الموضوعية (والتي ترتفع نسبتها يوماً إثر يوم) في السلطة. فبهذا هم يمنعون أي كتاب يشكك بأوهامهم، واللافت أن نسبة محاربة الكتاب تزداد طرداً بمدى ما فيه من عقلانية. ولأدلل على صحة ما أقول أذكر منع الكتاب الأخير للباحث السوري زكريا أوزون "جناية الشافعي: تخليص الأمة من فقه الأئمة "من معرض الكتاب الأخير في دمشق، علماً أن للدكتور البوطي كتاباً بعنوان مناقض عنوانه "اللامذهبية أخطر بدعة.."، وعنوان الكتاب يغنينا عن الإشارة إلى محتواه ؛ السؤال: كيف يسمح بمثل هذا الكتاب الذي يريد أسرعقولنا في الزنازين "الفكرية" للقرون الغابرة وفق فهم السلف للإسلام، والذي طبع أكثر من مرة في سوريا، ولا يسمح بتوزيع وعرض كتاب عقلاني يدعونا للتخلص من عبادة الأوثان الفكرية التي نحن بأمس الحاجة للتخلص منها نظراً لما تشكله من معوقات أمام العقل وأمام المستقبل، لا بل وأمام وجود ذواتنا في هذا العالم؟ وهل مستقبلنا مرتبط حقاً بمدى تزودنا بثقافة عذاب القبور وما هي ماهية طعام أهل الجنة، وماهية طبيعة أجسام المؤمنين والمؤمنات فيها، وكم وجبة طعام يتناولون هناك؟ وهل ستحظى المؤمنات فيها بذكور كما وعد الله عزّ وجلّ المؤمنين بحوريات؟ لاسيما أن الخطاب الإلهي لم يعد المؤمنات بشيء من هذا في كتابه! فانبرى أحد "علماء" العصر للإجابة على هذه الأسئلة "المصيرية" على شاشة التلفزيون السوري في برنامجه الأسبوعي.
وإذا كان البعث اضطر لأسباب تتعلق بتركيبة السلطة، ولأسباب أخرى، أن يمالئ التيار الديني، فهذا لا يعني أن الأمور في هذا المنحى قبل البعث كانت أفضل. إطلاقاً، فمجموعة الأديب اللبناني جورج جرداق المعنونة بـ "الإمام علي صوت العدالة الإنسانية" مُنعت من دخول سوريا عام 1962 وقد كانت سنتذاك إحدى حكومات الانفصال ذات ميول إسلامية، علماً أن جرداق لا يتعرض في دراسته تلك إلى موضوع الخلافة ـ الذي قد يبدو حساساً عند البعض ـ نهائياً، إنما يدرس الإمام علي من حيث هو شخصية تنطوي على قيم إنسانية كونية؟ ومن الإنصاف أن نذكّر بالمقال الذي يفتقد إلى أدنى مقومات اللباقة والحوار العلمي الذي كتبه، في ما مضى، أحد قادة الإخوان المسلمين السوريين رداً على كتاب المفكر المصري الراحل محمود أبو رية المعنون بـ "أضواء على السنة المحمدية" ما استدعى أن ترد عليه الباحثة بنت الشاطئ في مقال لها في جريدة "الأهرام" 28/7/ 1961.
شخصياً أشعر بالشفقة إزاء من يتوهمون أن مجتمعنا ناضج بما فيه الكفاية، وأنه أصبح مجتمعاً متحرراً من مخلفات الماضي من بنى قديمة كالعشائرية والطائفية والمذهبية التي زاد من استفحالها استبداد البعث، وأن مفهوم المواطن قد انتصر لديه، فأصبح جزءاً لا يتجزأ من آلية تفكيره وقناعته. وأكاد أقول أنه من المحال أن ينتصر مفهوم المواطن في ظل الثقافة السائدة، التي ارتفع رصيدها بفعل عوامل داخلية وخارجية معروفة، والتي تقف في بنيتها على النقيض من مفهوم المواطن، وإلا بماذا نفسر مواجهة الشارع المحافظ في بعض المدن السورية 1964 للبعث وهو لم يكن يعرف بعد خيره من شره؟ كما ثار ذات الشارع ضد حافظ الأسد 1970ولم يكن قد خبره بعد(!) مطالباً بأن يكون رئيس الدولة مسلما ما اضطر الرئيس الراحل للحصول على فتوى من الإمام الغائب موسى الصدر؟ ترى لو كان هذا المجتمع صحياً ويتمتع بروح المواطنة ومتخلصاً من ركام التراث لصالح رياح الحضارة وما بثه عصر النهضة (الذي ذهب نتاجه عبثاً كما يبدو) هل كان يسأل عن دين رئيس دولته؟ ومتى؟ في الثلث الأخير من القرن العشرين!
وأليس بعض هذا المجتمع هو الذي ثار هائجاً منصباً نفسه خليفة عن الله عزّ وجلّ عندما تعرض أحد الكتاب إلى الذات الإلهية منتقداً عام 1967في إحدى المجلات السورية؟
عود على بدء، لماذا لم يثر الشارع العلماني في سوريا ضد السلوك غير الأخلاقي للمدرستين اللتين حذفتا ما أرادتا من منهاج قررته وزارة التربية، وهو سلوك لا تخفى دلالته؟ وإذا كانت السلطة مضطرة للممالأة لأسباب لا تجهلها المعارضة بمختلف تلاوينها، فما هي مبررات الممالأة لدى العلمانيين؟ وبماذا يختلفون في صمتهم عن ذلك المعارض "العلماني" الذي طلب من أحد الكتاب السوريين المعروفين بتمردهم على الجمود في الفقه الإسلامي أن لا يكتب مقالات نقدية ضد التيار الإسلامي كي لا يخسر الشارع (في مستقبله السياسي الذي يعده به فريد الغادري). لن أجيب عن هذا السؤال الذي سنجد الإجابة عليه، وعلى أسئلة كثيرة غيره، في فيلم عن المعارضة السورية بعنوان "الزمن السوري" للمخرج نبيل ملحم والمفترض أن يعرض خلال شهر.
هل يدرك هؤلاء العلمانيون أن د. البوطي الذي لم نسمع له رأياً في حادثة حذف مقررات تتعلق بالتكاثر البشري وسواها هو ذاته كان من الذين يرون ضرورة في نشر الثقافة الجنسية، معلناً أن الدين يقدم للمسلم من هذه الثقافة كل احتياجاته، داعياً إلى اهتمام رسمي من قبل المسؤولين في علم التربية والطب والاجتماع كي يضبطوا تقديم هذه الثقافة مخافة إفسادها من قبل البعض (راجع مجلة "جيش الشعب" العدد 1385 تاريخ 13 آذار 1979)، أين هو الآن صوت د. البوطي من إفساد المعلمات لعقل الطلبة بخرافات وأوهام تحت يافطة إسلامية؟
صحيح أن المجتمع العلماني لا ينمو بين ليلة وضحاها، ولن تعرف سوريا العلمنة إلا إذا تم الفصل رسميا بين الدين والدولة، وهذا لن يتأتى بقرار رسمي قدر ماهو بحاجة إلى بذل العلمانيين (أو بقاياهم) قصارى جهودهم في نقد التراث دون شفقة أو رحمة، وفي سعيهم لبث روح العلمنة التي لاتتعارض مع الدين إنما مع فهم بعض رجال الدين للنص واحتكارهم له تحت ذرائع واهية، والعمل بغية الضغط لإدخال علم الأديان المقارن في مناهج التعليم في مراحله المختلفة، فبمعزل عن أنه ضرورة علمية تساهم في نشر العلمنة هو واجب أخلاقي.
عوضاً عن الخاتمة
ليس سراً أن عدد الجوامع في دمشق وحدها يفوق عدد الجامعات والمستشفيات السورية الخاصة والرسمية والمنتديات (آسف لم يعد يوجد منتديات في سوريا "التطوير والتحديث")، إضافة إلى عدد الأجهزة الأمنية المنتشرة كالفطر في بلادنا... اللهم لا اعتراض، لكن من منا يجرؤ أن يطلب الآن من إمام جامع عدم استخدام مكبرات الصوت أثناء الآذان أو خطبة الجمعة، رأفة بمريض أو تقديراً لطلاب لديهم امتحانات أوعطفاً على أطفال نيام، مثلاً؟ يا عفو الله! هل قلت منع مكبرات الضجيج؟وإذا كانوا بآذانهم يتوجهون إلى الله تعالى، فالمفترض أنهم يدركون أنه سبحانه وتعالى، الذي يعرف ما في السرائر، سيسمع آذانهم ووصلاتهم الروحية التي تستغرق قرابة النصف ساعة قبل وبعد كل آذان من دون الاستعانة بمكبرات الصوت! أما في شهر رمضان الفضيل فكان الله في عوننا.
لابأس من أن أروي هذه الحادثة، أرسل المرحوم الرئيس شكري القوتلي حارسه إلى منزل جاره ليطلب منه خفض صوت المذياع عندما كان عبد الباسط عبد الصمد يقرأ القرآن في السادسة والنصف صباحاً، وكان ابن الجيران معجباً بتلاوة عبد الباسط، فيرفع صوت المذياع.. بمنتهى اللطف طلب منهم الحارس خفض الصوت قائلا لهم بالحرف: "إن فخامة الرئيس لا يريد أن يسمع القرآن الآن، إذا أردتم أن تستمعوا له، فأنتم أحرار لكن ليس بالضرورة أن تسمعوا الجيران".
ليجرؤ الآن أولئك الذين رأوا أن الرئيس بشار الأسد قد بالغ أثناء تطرقه الموجز والمعبر لمسألة الإسلام في سوريا، وليقولوا لرجال الدين: أنه كفاهم ضجيجاً باسم الله وكفاهم احتكاراً للهواء حسب تعبير الزميل شعبان عبود.
المستقبل - الاحد 16 تشرين الأول 2005 - العدد 2071 - نوافذ - صفحة 10