أُبي حسن: باسم الشعب
نُشرت في زاوية "مواويل" في صحيفة النور، العدد 126، 5 تشرين الأوّل 2003.
باسم الشعب
ثمة ظاهرة, عندنا في سورية، لافتة للانتباه حقاً. وإذا كنت سأتحدث عنها, فليس الغرض من حديثي العمل على تقييمها سلباً أم إيجاباً.
من البداية أقر وأعترف بأنني لا أكتب بدافع من حسد أو غيرة لا سمح الله. تقول الظاهرة إنه عندنا في سورية يستطيع أي مسؤول، وفي أي حوار صحفي أو تلفزيوني، مهما كانت صلاحيات هذا المسؤول صغيرة، أن يتحدث باسم الشعب.
حتى إذا لاحظتم أن المحكمة في حال أرادت النطق بحكمها (العادل)، ومن المعروف والشائع أن قضاءنا نزيه وعادل لا تأخذه في الله لومة لائم، فإنها تنطقه باسم الشعب كذلك.
وإذا أردنا توسيع الدائرة قليلاً، فسنجد أن أي حزب في سورية يستطيع التحدث باسم الشعب، على الرغم من التباين الواضح في ألوان هذا الشعب وأطيافه، وبذلك نجد أن حزباً من أقصى اليمين- في حال وجوده- يتحدث باسم حزب من أقصى اليسار، والعكس صحيح.
وإذا انتقلنا إلى صعيد الإنجازات، وما أكثرها، نرى أنها كلها تنجز باسم الشعب، وإن كان لا ينتفع بها سوى فرد أو بضعة أفراد في بعض الأحيان.
و بافتراض أن القاعدة (الشعبية) تقول: (ما حدا أحسن من حدا)، فإن أي صحفي سوري يستطيع أن يكتب مقالته أو زاويته باسم الشعب، ذلك لأنه يمثل ضمير الشعب!
و بالمقابل، فإن مدير أي مؤسسة سواء أكانت استهلاكيه أم زراعية أم غذائية.. إلخ، و صلاحياته لا تتعدى جدران مؤسسته، يستطيع أن يتحدث باسم الشعب، وهلم جرا... ياعفو الله! الكل يتحدث باسم الشعب، و نحن كنا نعتقد أن لا أحد يهتم بهذا الشعب. لعن الله ظن السوء.
ماذا يمكن للمرء أن يقول في هذه الظاهرة، سوى أنها التوزيع العادل لحرية التعبير عن الرأي، والممارسة الأعدل و(الأشمل) للديمقراطية، إذ يستطيع الكل أن يتحدث باسم الكل... وهذا كله يفضي بنا إلى اشتراكية، ما بعدها، ولا قبلها، اشتراكية.
انطلاقاً من كل ما سبق ذكره، وباسمي الشخصي، لا باسم (الشعب)، أرى أن كل مظاهر الفساد التي عانينا ونعانيها في سورية، ابتداءً من اختلاس بعض المسؤولين- كباراً كانوا أم صغاراً- للأموال العامة، مروراً باحتكار بعض (من نالوا رضا الله والوالدين والوطن) من أولئك الذين يحتكرون استثمارات وتعهدات معنية، دون غيرهم ممن خلق الله من السوريين، وانتهاء بما يحبذ أن يضيفه القارئ مما شاء من سلبيات يراها..
أقول إنّ هذا كله قد تم وجرى باسم الشعب, بافتراض أن الواقع يثبت من خلال ما بينت في هذا (الموّال) أننا كلّ متكامل، إذ نحن شعب تماهت ذواتنا الفردية وصفاتنا الشخصية الذاتية، في الذات الشعبية الجماعية، وهكذا أستطيع أن أطلب -أيضاً باسمي لا باسم الشعب- من ذلك البعض أن لا يطلبوا بعد الآن بالإصلاح وبمكافحة الفساد ومحاربة الفاسدين.