كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أُبي حسن: عن المسؤولية الأخلاقيّة في القول والخبر

كلنا شركاء- 30 نيسان 2010

بعيد نشر الكاتب المتميز ياسين الحاج صالح لمقاله المدوي في 28 آب 2002 والمعنون بـ "ناطق التحريم"1, روى لي أحد كتّاب جيل خمسينات القرن الماضي(*), وهو ينفث دخان نرجيلته في مقهى الروضة, بما نصه حرفاً: "ياسين الحاج صالح من الحزب الشيوعي السوري.. جماعة رياض الترك.. انسجن خمسطعشر سنة. طلب منه عدنان بدر الحسن (كان يشغل منصب رئيس شعبة الأمن السياسي) التوقيع على كتاب شكر للرئيس حافظ الأسد لأنه أمر بإخراجهم من السجن, فرفض التوقيع, فتركه بدر الحسن في السجن سنة ونص زيادة, عقوبة له, كونه رفض التوقيع على كتـاب الشكر".
ليست الرواية أعلاه استثناء في ما سمعته -وربما سمعه ويسمعه المئات غيري ـ من مبالغات وقصص وهمية تتقاذفها أفواه بعض المثـقفين السـوريين في لحظة زمنية عادة ما يكون لها خصوصيتها. فقد سـبق أن أكد لي مثـقف سوري بارز(**), عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري, ما سبق أن رواه له ـ على عهدته ـ صديقه الراحل جوزف سماحة, وخلاصة مرويته إن الحريري الأب سـجّل عبر القلم حديثه مع الرئيس السوري بشار الأسد, وذلك في لقائهما الأخير. وأرسـل ثلاث نسخ من التسجيل المزعوم إلى الرؤساء حسني مبارك وجاك شيراك وبرويز مشرف (لا أدري لماذا تم تجاهل الملك عبد الله بن عبد العزيز؟).
طبعاً, نفى لي الأستاذ الحاج صالح, في لقاء جمعني به في منزله عام 2004, قصة التوقيع على كتاب الشكر آنف الذكر, وكذلك السنة والنصف الإضافية جرّاء عدم توقيعه. وبتـاريخ 23 / 2 / 2010 قرأنا له مقالاً مؤثراً في نشرة "كلنا شركاء" نقلاً عن موقع الحوار المتمدن, بعنوان "طريق إلى تدمر ـ عن التذكر والنسيان", لم يرد فيه شيء مما سبق أن رواه لي ذلك الكاتب, وإن كانت صور المعاناة التي قدمها ياسـين أكثر بشـاعة وقسوة مما كنا قد بدأنا به! وليس بعيداً عن هذا كذّب تتـابع الأحداث مروية صديق جوزف سماحة, ناهيك عن هشاشة تـلك المروية من أساسها سواء أكان راويها الأساسي فعلاً هو جوزف سماحة أم لا!
من الوارد جداً أن تكون دوافع هكذا أقاويل مواقف نبيلة من قبل مطلقيها, ناهيك عن أنها تنطوي على إعجاب ببطولة شخص ما من قبل من يتحدث عنه, لذا لا يجد حرجاً ـ هذا المتحدث أو ذاك ـ بأن ينسب إليه أفعال لم تحدث, كما هي الحال في المروية الأولى.
وقد تكون دوافعها النقمة على طرف معين (كالنظام, مثلاً) كما هو واقع الأمر في الثـانية, إذ من رواها لكاتب هذه السطور مُعارض ومثـقف سوري لا يستهان به وبحضوره. بيد أني أتساءل هل فكّر أحدنا بالنتائج المترتبة على هكذا أحاديث وأقاويل, ليس دونها استخفاف الجهات الرسمية بالمثقف السوري (أو بعضه) وطريقة تعاطيه مع الشأن العام, خاصة إذا ما تمّ تداول مثـل هذه الشائعات على نطاق واسع ولقيت رواجاً في أوساط العامة؟ وهل فكّر أحدنا بالمسـؤولية المهنية والأخلاقيّة المفترض أنها مُلقاة على عاتقنا, قبل أن نفوه بما يدور في أذهاننا (وخيالنا) من غير أن نفصل بين ما يُـقال ويُشاع وبين الواقعة كما حدثت فعلاً, وليس كما يريدها خيالنا (وحتى أمانينا الطيبة) أن تحدث؟ والمسؤوليّة هنا من شقين:
الأول: إزاء المعلومات ذاتها وصحتها من عدمها.
والثاني: أمام الذات والآخر / المتـلقي الذي من حقه (أو هكذا أفترض) مناقشة وتداول ما يسمع مع آخرين غير الذين سمع منهم, خاصة أنه يتـلقى هذه الأقاويل من مثـقفين وأنصافهم وليس من أناس أميين! وعلينا هنا ألاّ نستهين في الثـقافة الشـفويّة ومدى تأثيرها في تكويننا المعرفي.
الاستسهال حد الاستهتار, في نقل الأخبار والأقاويل وتداولها, من دون التأكد من صحتها, ليس حكراً على أفواه وشفاه بعض المثـقفين سوريين كانوا أم لبنانيين2, بل هو موجود بوفرة في وسائل الإعلام بمختـلف أنواعه, السوري واللبناني وغيره على حد سواء. وكذلك تضجّ بها بطون الكتب!
فإذا أخذنا الإعلام الالكتروني مثـالاً, نجد أن "كلنا شركاء", وهي نشرة رصينة مقارنة بسواها, نشرت أكثر من مرة أخبار غير صحيحة (لا نجد داع لذكر أمثـلة راهناً) لم تـقم بتصويبها في ما بعد! في حين أن بعض الأخبار التي ينقلها الموقع المُسـمى بـ"سيريا نيوز" يكون عمادها الكذب أو الجهل وربما الاثنين معاً, لا بل يمكن الحديث عن سرقات فاضحة مارسـها الموقع المذكور دون أي شعور بتأنيب الضمير! فمثلاً سبق أن نشر "مقالاً" يحمل توقيع رئيس تحريره بعيد صدور إعلان دمشق ـ بيروت عام 2006, وهو مقال مليء بالمغالطات التي تنمّ عن جهل عميق بالخارطتين الثـقافية والسياسية في لبنان كجهله بمن يكون حبيب صادق! وقد قام مشكوراً الأستـاذ نزار نيّوف بتصحيح جملة الأخطاء لرئيس تحرير "سيريا نيوز" في مقال له بعنوان: "النص الكامل لتقرير الرقيب نضال معلوف رئيس مخفر ـ سيريا نيوز ـ عن مؤامرة ـ إعلان دمشق بيروت ـ !" (2 / 6 / 2006, الحوار المتمدن).
أما بخصوص سرقات الموقع آنف الذكر, يمكن أن نستشهد بعنوان خبر وجدناه على موقع سيريا لايف (سـابقاً), أتى على الشكل التـالي: «موقع "الرفيق" نضال معلوف "يسرقنا" علناً» ( 6 آذار 2008, موقع سيريا لايف / سـابقاً ), وقد كان مضمون الخبر عن فرح في مدينة اللاذقية طلبت فيه العروس من المغني غناء أغنية "بحبك ياحمار"3, فطلقها عريسها مباشرة. وتم نقل الخبر بسرعة مذهلة عن "سيريا لايف" في عدد من وسائل الإعلام الورقي والالكتروني. ولن ننسى, في هذا المقام, التذكير بعدد المرات التي سرقت فيها "سيريا نيوز" من موقع "كلنا شركاء" دون إشارة إلى المصدر (كما ذكرت ذلك "كلنا شركاء" مراراً, إذ نادراً ما نقصد دكان "سيريا نيوز" للاطلاع على ما فيه).
الصحف الورقية لم تكن بمنأى عن نشر الأكاذيب وتـلفيقها من خلال بعض مراسليها أو المتعاونين معها, فعلى سبيل المثـال سبق أن أخذت صحفية لبنانية تصريحاً من الصديق الباحث صقر أبو فخر لصالح صحيفة "الشرق الأوسط", والغريب في الأمر أن الصحفية قوّلت صقراً ما لم يقله! وعندما أرسـل تصويباً إلى الصحيفة المذكورة التي تعشق الليبرالية على الطريقة الوهابيّة فحسب, لم تنشره له! فكان أن نشره, العام الماضي, في موقع ونشرة "كلنا شركاء" لأكثر من اعتبار.
ليس بعيداً عن الليبرالية الوهابيّة التي عادة ما تكون محط نقد وانتـقاد أسـعد أبو خليل, يفعل فتية إبراهيم الأمين في نشرة الأخبار اللبنانية (طبعاً, نسـمح لأنفسنا باستعارة كلمة "فتية" من أدبيات إبراهيم الأمين إبّان وصفه لفريق الرابع عشر من آذار, ولفظة "نشرة" من قاموس أسعد أبو خليل أثناء ذكره لصحيفة المستقبل), إذ سبق لإحدى فتيات النشرة المذكورة أن كتبت مادة بعنوان "«رحلة الآداب» توقفت عند وزارة الإعلام" (17 / 10 / 2009, نشرة "الأخبار" اللبنانية), توقفت فيها عند رأي للأستـاذ الناقد حسان عباس, وكما فعلت الصحف الوهابية مع صقر أبو فخر (ومن بعده مع الباحث جان داية من خلال عدم نشرها لرده على سمير عطا الله الذي تناول كتابه عن محمد الماغوط وصوبيا القومي السوري الاجتماعي) فعلت كذلك فتاة نشرة الأخبار مع الأستاذ عباس الذي أرسل لطرفهم رداً لم يتم نشره خلال المدة القانونية, أي خلال 15 يوماً من وصوله, فكان أن نشره في موقع كلنا شركاء بتاريخ 1 / 11 / 20009. وربما كان هناك من نبّه الفتى الأغر لنشرة الأخبار بيار أبي صعب إلى سوء تصرفهم غير المهني وغير اللائق بسمعة نشرتهم التي تحب "الحرية", تحديداً حرية التعبير عن الرأي أكثر من سـواها, فكان أن نشروا رد الأستـاذ عباس مجزوءاً بُعيد يومين من نشره كاملاً في "كلنا شركاء", أي بتاريخ 3 / 11 / 2009. بالرغم من ذلك تبقى نشرة الأخبار عاشقة مولعة بـ "الحرية" بمختـلف أنواعها (حسب زعمها, وكما تحاول الإيحاء لقرائها), وعدوة شرسة للرقابات العربية التي تعرقـل عمليات "الإبداع" العربي خاصة إبدّاع فتيانها, وفي طليعة هذه الرقابات ـ من دون شك ـ رقابة وزارة الإعلام السوريّة.
ما تجود به بطون الكتب, في الدرجة الأولى منها مذكرات "المشاهير" من رجال السياسة 4 والمال والتمثيل, ليست محصنة ضد شـبهات تطعن بمصداقيتها, فعلى سبيل المثال, من بعد أن أصدر السيد فؤاد بطرس وزير الخارجية اللبنانية الأسبق مذكراته, قرأنا مقالاً في نشرة الأخبار اللبنانية بتاريخ 5 آذار 2009 بقلم السيد بدر الحاج, بعنوان: "ما أغفله فؤاد بطرس من مذكرّاته", زعم فيه أنه يسعى "إلى تصويب وقائع تاريخية معيّنة ومحددة حفاظاً على الذاكرة وتوضيحاً لأمور ذكرها بطرس مخالفة للواقع", ولم يتوان السيد الحاج عن اتهام السيد بطرس بالتزوير والسرقة والتتشويه, طبعاً ولم نقرأ ردّاً حتى تاريخ كتـابة هذه الأسطر للسيد فؤاد بطرس ينفي من خلاله أي تهمة من التهم التي وجهت إليه! إحدى التهم كيفية مقتـل الضابط (السـوري) محمود نعمة (والعديد من رفاقه), إذ اعتقدوا ـ كما يشير اسمه ـ أنه مسلم, في حين هو من خلفية أرثوذكسية من مشتى الحلو في طرطوس. القصة بتـفاصيلها كان قد أخبرني بها السيد لؤي نعمة نجل القيادي الشيوعي دانيال نعمة منذ سنوات عدة, ما يعني أن رواية بدر الحاج هي الأكثر مصداقية خاصة أن السيد بطرس لم ينفها!
من نافل القول إنه من الصعب تعقب كل المفارقات والتناقضات, التي لا تـليق بمن يفترض أنهم "الطليعة" و"النخبة" إلى آخر ما هنالك من مسميات, أياً كانت منابتهم وأياً كانت توجهاتهم وميولهم, لكني دائماً كنتُ أتـذكر عندما أواجه هذه المفارقات, كتب التراثين المسيحي والإسلامي, وبشكل أكبر التراث الإسـلامي بشقيه السـني والشيعي, متسائلاً في سرّي: "إذا كنّا في راهننا وحاضرنا غير دقيقين وصادقين في نقل المعلومات والأخبار, كيف لي أن أطمئن لمرويّات عفّا عليها الزمن, أيّاً كان واضعها؟", وقد يكون للحديث تتمة..

[1] ـ كتب الأستاذ ياسين هذا المقال رداً على مقال كان قد كتبه عضو مجلس الشعب (السابق) السيد منذر موصللي, يطلب فيه محاكمة السيد عبد الرزاق عيد بسبب مقال رأي كتبه الأخير يدافع فيه عن صديقه الدكتور عارف دليلة. وقد سبق أن قاطع عدد من المثقفين السوريين السيد موصللي جرّاء مقاله ذاك, من ضمنهم الأستاذ ميشيل كيلو الذي رفض مصافحته حتى قدّم موصللي مذكرتين إلى مجلس الشعب يطالب بهما بإجراء إصلاحات في البلد.
[2] ـ ذات يوم من صيف 2008 كنتُ أجلس عند أحد الأصدقاء في صحيفة المستـقبل اللبنانية(***), فجأة أتـاه هاتف من شخص ما, اهتمّ صديقي بمحدثه على الطرف الآخر بشكل مذهل. من بعد أن أنهى حديثه, التفت إليّ وقال, وهو يشغل التلفاز بلهفة: "الهاتف اللي جاني يؤكد لي أنهم اعتقلوا الآن آصف شوكت في سوريا, والخبر تتناقله حالياً وكالات الأنباء!", طبعاً وروى لي تـفاصيل أخرى تبيّن أنها كلها تخييلات!, ولا داعي لإرهاق القارئ بذكرها هنا, لكن ما يحزّ بالنفس أنها تصدر عمن يتولون صناعة الكلمة / الرسالة وتصديرها.
[3] ـ المفارقة هنا هو ما أفادتني به الزميلة رندة حيدر يومذاك, إذ لا أحد في اللاذقية, حيث مكان إقامتها وعملها, سمع بتلك الحادثة. وثمة أخبار كثيرة, عن حوادث ذات طابع اجتماعي غير مألوف في مدينة اللاذقية وريفها, كان يرسلها السيد داود الماني (مرسل خبر "بحبك يا حمار") إلى موقع سـيريا لايف, وكانت تلقى إقبالاً شديداً نظراً لغرابتها. لكن اللافت في الأمر أن لا أحد ممن كنا نسألهم من معارفنا في اللاذقية كان يسمع بتلك الأخبار, لا بل أن بعضهم شكك بها علانية واعتبرها من بنات خيال الصحفي!
[4] ـ نقرأ في مذكرّات الدكتور عبد اللطيف اليونس ـ حفظه الله ـ مآخذ كثيرة يسجلها الرجل على مذكرّات رئيس الوزراء السوري الأسبق خالد العظم, متهماً إياه أنه ينسـب إلى نفسـه صنع أحداث ليس هو بطلها بل اليونس الذي يعاتبه لعدم أمانته! والمفارقة أن اليونس في مذكرّاته ينسب إلى نفسه أشياء ليس هو من قام بها (على الأقل لم يقم بها مفرداً, وبعضها قام بها مُكرهاً!), مثل ذلك ذكره قصة ذهابه إلى دمشق لاستدعاء الطبيب الألماني كي يقوم بتطبيب الشيخ صالح العلي.. الخ. إذ سيذكر لي الأستـاذ سلمان محمد يوسف (أحد أوصياء صالح العلي على أرزاقه وأملاكه) أنه هو من قصد اليونس في صافيتـا طالباً منه الذهاب معه إلى دمشق لأجل ذلك الغرض, وعلى نفقته (أي السيد محمد يوسف) على نقيض ما يذكره اليونس! ولن يطول الزمن حتى يسجل وصي صالح العلي هذه الأحداث بإسهاب ممل كتـابة في مجلة الثـقافة (التي كان يصدرها الشاعر الراحل مدحة عكّاش في دمشق) عدد آب 2001.

 

ملاحظات من محرر فينكس, نرفقها بناء على أسئلة وجهناها لصاحب المقال, الزميل أُبي حسن:

1- لا تجوز قراءة المقال, من حيث الشكل لا المضمون, إلّا في سياقه التاريخي أي تاريخ كتابته, من قبيل ألفاظ "التفخيم" الملحقة بوزير اعلام داعش (لاحقاً) ياسين الحاج صالح, وما شابه ذلك.

2- (*) الكاتب المقصود, وهو من جيل الخمسينات, الأديب الراحل عادل أبو شنب.

3- (**) المثقف السوري المقصود هو ميشيل كيلو.

4- (***) المقصود بالزميل الصحفي, في صحيفة "المستقبل" اللبنانية, هو الكاتب يوسف بزي.