في الحديث عن المبنى الذي انهار في المنطقة الصناعية
2023.06.26
باسل علي الخطيب- فينكس:
لست أفهم أحياناً، وأكاد لا افهم مع كل الشرح والتوضيح، أن بعض الأمور ليس من تعليل لحدوثها إلا الفساد أو عدم الكفاءة أو الإهمال.......
سنتحدث في البداية بعض بسيط العلم....
بعض الترب الحيوهندسية يمكن إقامة المنشآت عليها، وفق شروط خاصة لها علاقة بالمنشأة، ومواصفات خاصة للتربة، من حيث التركيب الحبي و اللدونة والسيولة والتحانس والرطوبة و غيرها...
شروط التفريغ ضمن الترب الحيوهندسية - مهما كانت هذه الترب ملائمة أن تكون أساساً للأبنية - شروط التفريغ تخضع لشروط قاسية ومعيارية خاصة، في حال كان في الجوار منشأة أخرى....
التفريغ يؤدي إلى صنع جبهات لها امتداد افقي وعامودي، هذه الجبهات تصبح نقاط ضعف بنيوية، ودرجة ضعفها وخطورتها تزداد كلما ازداد عمق هذه الجبهات وامتدادها، عدا عن كون ذلك متعلق أيضاً بالمواصفات الفيزيائية والميكانيكية للتربة التي ذكرناها أعلاه....
كان من البديهي عند البدء بعملية التفريغ، إقامة حائط استنادي من جهة المنشأة الموجودة مسبقاً، ومن ثم استكمال عملية التفريغ، وعندما أقول من البديهي فهذا لأن هذا الإجراء لايحتاج كل تلك العبقرية أو التفكير....
أضف إلى ذلك، انهيار المبنى بتلك الطريقة (قطعة واحدة)، حتى أن السقف لم يتحطم تقريباً، عدا عن أن الانهيار كان متدرجاً من جهة الحفرة إلى الجهة الأخرى، حيث سحبت الأجزاء بعضها بعض، واكاد أجزم أنه لو كانت توجد (شنجات)، أو (حصيرة)، لحصل انهيار جزئي فقط من ناحية التفريغ.....
أذكر أنه في عام 2019، تم تكليفي بدراسة اسباب ظهور تشققات في مباني معمل غاز المنطقة الوسطى شرق حمص، هذه التشققات امتدت مسافة طويلة ضمن الأرض، وصولا إلى السكن العمالي التابع للمعمل، وصولاً إلى القرية المجاورة غرباً، وكانت ظاهرة واضحة على الأرض و على حيطان الأبنية....
كان الوضع محيراً، ومحيراً جداً، فمن ناحية لايوجد سبب تكتوني واضح، والمنطقة لاتحوي أي فوالق، وقد درست الخريطة الجيولوجية للمنطقة، واستعنت أيضاً بصور فضائية واضحة جداً لها.... هذا من جهة، من جهة لايوجد سبب انشائي لذلك، فلو كان السبب إنشائياً، لماذا توجد تشققات واضحة في الأرض تمتد إلى مسافة كيلومترات، وبعمق يصل في بعض الأماكن إلى حدود المتر، مع عرض من الاعلى يصل إلى حدود 20 سم؟!....
حيرني الموضوع جداً، حتى جاء الالهام، جاءت المساعدة الربانية، إلى الشمال من المعمل يوجد طريق اسفلتي قديم، هناك تبدأ التشقات حيث تخترق الطريق، حيث تتجه جنوبا إلى المعمل لتنحرف بهدوء بعد ذلك نحو الغرب...
شمال الطريق لم أشاهد تشققات، أردت أن أذهب للتأكد، منعني من ذلك الفريق المرافق من المعمل حرصاً على سلامتي، قالوا لي على بعد كيلومترات من هنا كانت توجد داعش، وكانت تشن هجماتها من هذا المكان باتجاه المعمل، وهناك احتمال لوجود ألغام في المنطقة أو قنابل غير منفجرة.....
سألت عن ساتر يقع جنوب هذا الطريق يمتد لقرابة كيلومتر بارتفاع عدة أمتار، قالوا للحماية من هجمات داعش، سألتهم من أين أتيتم بالأتربة لرفع الساتر، قالوا من المنطقة مابين الطريق والمعمل، تقدمت جنوباً بعض المسافة، وفعلاً لاحظت وجود مايشبه الوهدة تمتد لمئات الأمتار طولاً وعشرات الأمتار عرضاً وبضعة أمتار عمقاً....
هنا قلت لهم، هاكم السبب، عملية التفريغ أنتجت جبهة ضعيفة، سببت انزياح التربة باتجاه منطقة التفريغ، وزاد من الأمر الكتلة الكبيرة جداً لمنشآت المعمل والسكن العمالي، مما جعل الشقوق تمتد إلى مسافة طويلة، و أن تكون التشققات ظاهرة بشكل جلي في حيطان الأبنية....
قلت في عدة مقالات سابقة أن الزلزال لايقتل، وقلت إن الأبنية غير الجاهزة انشائياً وأساسات هي التي تقتل...
هذا الأمر صار يجب أن يؤخذ بجدية، وقد عاينا ماصنع الزلزال....
سأحدثكم في مقال لاحق عن الكوارث الجيوهندسية على طول طريق طرطوس - الدريكيش الجديد، التي حصلت والتي ستحصل إن لم يتم التعامل مع الكثير من الكتل المهددة بالانهيار.....