هل تقرع "حماس" جدران الخزان ولو أخلاقياً.. بقبول مقترح "ويتكوف" دون شروط؟!
أحمد الحاج طاهر
بعد عدة مقالات كتبتها تذكير للمرة الألف وواحد - رفض المقترح "ويتكوف" الأول والمعدل لن يؤدي لجلب نتائج أفضل، بل سيجلب أثماناً وظروفاً تنتج مقترحات أسوأ، الإسرائيلي والأمريكي رافضان لزحزحة مواقفهم لأسباب شرحناها ألف مرة وإن تزحزحا، فإنهما لن يتزحزحا إيجابًا بل سلبًا، والفرق بين المطروح قبل ١٨ مارس والمطروح اليوم هو أكبر دليل، مع مراعاة أن التفاوض حينها لم يكن تحت النار، فيما اليوم بات التفاوض تحت الجحيم، رحمة الناس وفدائهم ليست جبناً بل قمة الشجاعة والجرأة، لن تنتهي الحرب ونحن لا زلنا نطالب بهدنة لوقف الأعمال العدائية المتبادلة لسنوات وكأننا جيشان متقابلان، ولن تتوقف الحرب طالما أننا مصممون على افتراض أننا لم نُهزم، وبأننا سنفرض على إسرائيل أن تتيح المجال لإعمار غزة وأن تنسحب منها مقابل ٢٠ أسيراً، وأن توقف حربها بشكل كامل دون أن تحقق أهدافها، هذا ضرب من العبث في ظروف بات فيها وجودنا على المحك، وباتت القوات الإسرائيلية تهدم وجودنا بكل أريحية. يجب أن نبحث عن توقف الحرب وانسحاب الجيش وإعادة اعمار غزة بالمسار الممكن والمطروح بدلًا من البحث عن ذلك في المسار المستحيل.
محاربة مخطط التهجير لا تتوافق مع إعطاء الوقت ليمسح الجيش به ما تبقى من عوامل بقاء، يجب أن يتوقف هذا الجنون، قبل أن تمضي أسابيع أخرى ونجد أنفسنا نفاوض على شروط أكثر فداحة أو نجد أن الآوان قد فات وقد باتت معظم أراضي القطاع تحت الاحتلال وبدأ تهجير الناس، فكلمة الوقت من دم ومن معاناة لم تعد تجدي، لأن 600 يوم لم يكونوا كافيين بكل ما فيهم من قهر لشعب معدوم الخيارات بأن توصلنا لقناعة بوجوب أن نصل للنهاية، هذا الشعب لم يعد يقبل بأن يدفع أثمان مسار عدمي، ولا يقبل بأن يكون حقل تجارب سياسية، أو ميدان للمراهنات والاحتمالات والآمال، الشعب الفلسطيني سئم من التعامل معه على أنه وقود لا ضير من المزيد منه على أمل واهم بحدوث تغيير، يجب أن يتوقف هذا الجنون..
الرد بالقبول المتحفظ:
اطلعت على رد حركة حماس كاملًا، واتضح أنه فعلًا يتضمن الحديث عن مدة اعادة الإعمار، والتفاوض خلال الهدنة على وقف الأعمال العدائية لـ٧ سنوات، بالإضافة لتطبيق البرتوكول الإنساني، وفتح معبر رفح للأفراد دون أي قيود ذهابًا وإيابًا، واشتراط الانسحاب من كل المناطق التي تم احتلالها بعد استئناف الحرب تزامنًا مع تنفيذ أول عملية تبادل وإعادة توزيع عمليات التبادل على طول فترة الهدنة، وضمان دخول معدات البناء اللازمة لتأهيل البنى التحتية، وتضمين ضمانات إنهاء الحرب بمحددات لا يقبلها نتنياهو، ونقاط أخرى عديدة، وبصراحة الرد بالصيغة التي قرأتها لا يتوقع قبوله من قبل نتنياهو ولا حتى من قبل الأمريكيين وهو ما حصل!
ليال ثقال!..
ليلة ثقال تمر على قطاع غزة - مدينة منكوبة بها شعب بالكاد يستطيع العيش، تستخدم فيها إسرائيل متفجرات وأسلحة أمريكية مخصصة لردع دول عظمى فقط من خلال التلويح بها دون استخدامها، ما يجري بالغزيين منذ 600 يوم ليست حرباً ولا حتى عدواناً، بل جريمة شنيعة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، وأحد أركان هذه الجريمة تكمن بشرعنة التسليم لهذه المحرقة باسم الدين، وبأن الصبر بهذا القدر من السلبية سيجلب المعجزات والخلاص، الدين بريء من ذلك كبراءة الذئب من دم سيدنا يوسف، ولا توجد شريعة في التاريخ تشرعن الصبر على القتل والفساد والإنهيار بكل الصعد بهذا الشكل بلا أي خطة أو رؤية، كل الشرائع وعلى رأسها الشريعة الإسلامية تعادي من يستهين بحياة الإنسان وتدعو لصون دينه ودمه وممتلكاته وكرامته كغاية لا يستقيم الدين بدونها، ستثبت الأيام أننا أخطأنا في فهم ديننا ودفعنا لذلك الفهم الخاطئ ثمناً مروّعاً لا يمكن تسويته، وبأن الله لن يحابينا لأنه قال لنا ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، لا شيء يسير بالأماني. وستثبت الأيام أيضًا أننا لسنا أبناء الله كما ادعى اليهود وكما يتوهم الكثير اليوم ضمنًا، وأننا سنُسأل أمام الله عن المواقف والقرارات والتوجهات التي شرعنت هذا النزيف ولا زالت وسيكون السؤال ثقيل بوزن لا تقدير له من الدم والمعاناة، سنُسأل عن أهواء وأفكار تجاهلت بأن الله لم يطلب من أحد أن يدفع كل هذه الأثمان في سبيل وسيلة لم تحقق الغاية منها، ستثبت الأيام ذلك ولكن بعد فوات الأوان...
أتساءل بالتحليل وقراءة المشهد، خاصة عندما يكون ارتجالياً وخارج الصندوق، كيف يمكن أن يقبل الإنسان بصنع قرار يدفع ثمنه شعب كامل، وأن يستمر في مسار مليء بالأخطاء والكوارث والأثمان غير المعقولة، وأن يكون متصالحًا معها ومشرعنًا لها بهذه البساطة، وأن يستمر بتعبيد مسار مليء بصور المعاناة والمأساة دون البحث عن بدائل عنه..؟ قال الله سبحانه وتعالى "إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَیۡنَ أَن یَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَـٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومࣰا جَهُولࣰا"، وقال النبي عليه الصلاة والسلام "إنها لأمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة".
حركة حماس رحبت بالجهد المصري القطري وأكدت استعدادها للشروع الفوري في التفاوض حول نقاط الخلاف بهدف الوصول لاتفاق..
نأمل أن تتجرأ "حماس" بقرع جدار الخزان ولو أخلاقياً، لشعب بات يلتقط أنفاسه الأخيرة بين دعم أمريكي وتعنت إسرائيلي وعجز عربي مقيت..
لننتظر ونر!
