الأزمة الأوكرانية.. تصعيد أميركي غربي ضد "روسيا"
مها حامد محفوض – خاص - فينكس
تشهد العلاقات بين "روسيا" وحلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية توتراً كبيراً بسبب تزايد وجوده العسكري بالقرب من الحدود الروسية، والذريعة حماية "أوكرانيا" مما تصفه الولايات المتحدة بالتهديد الروسي المحتمل.
حيث تتهم الولايات المتحدة ودول غربية "روسيا" بالتحضير لهجوم عسكري على "أوكرانيا"، الأمر الذي لطالما نفته "موسكو" معتبرةً أن الاتهامات هي مجرد ذريعة لزيادة الوجود العسكري لـ "الناتو" بالقرب من حدودها، وكانت الخارجية الروسية قد أشارت في وقت سابق إلى أن التصريحات الغربية حول العدوان الروسي وإمكانية مساعدة "كييف" في الدفاع عن نفسها هي تصريحات "سخيفة وخطيرة".
وبحسب صحيفة "بوليتكو" الأميركية السبت 12/ 2/ 2022، فإن الرئيس الأميركي خلال اجتماع عبر الإنترنت ضمّ ممثلي الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي و"كندا" و"فرنسا" و"ألمانيا" و"إيطاليا" و"بريطانيا" و"بولندا" و"رومانيا"، أعلن أن "روسيا" قد تغزو "أوكرانيا" في /16/ شباط الجاري، في حين رفض دبلوماسيون ومسؤولون أوروبيون تصديق ذلك.
إذاً هي حمله تجييش واسعة تشهدها الساحة الدولية ضد "روسيا"، فقد نقلت شبكة "PBS" عن مصادر قالت إنها من الإدارة الأميركية أن "بوتين" قرر غزو "أوكرانيا" وقد أبلغ جيشه بذلك، أيضاً قال مستشار الأمن القومي الأميركي "جيك سوليفان" إن الولايات المتحدة جاهزة لكل الخيارات الروسية بما في ذلك التصرف بحسم تجاه "العدوان الروسي المحتمل" بالتعاون مع من وصفهم "بالحلفاء"، إلى جانب ذلك دعت الولايات المتحدة رعاياها لمغادرة "أوكرانيا" خلال /24 إلى 48/ ساعةً، وتخفيض وجودها الدبلوماسي في "كييف"، في الوقت الذي ردد فيه وزير الخارجية الاميركي أنتوني بلينكين" كثيراً خلال الأيام الماضية أن غزو "روسيا" لـ "أوكرانيا" قد بات وشيكاً.
يرى الباحث والمفكر في الشؤون السياسية والاقتصادية د. "غالب صالح" في حديثه لمنصة "فينكس" السبت 12/ 2/ 2022 أن جوقة الإعلام التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وصلت إلى درجة الهستيريا ضد كل من "روسيا" الاتحادية و"الصين" لها أسبابها، أولها عودة "روسيا" للساحة الدولية كدولة عظمى ولاعب دولي، ثانياً تطور الاقتصاد الصيني الذي ترى فيه الولايات المتحدة منافساً لابل محطماً رقماً قياسياً في زمن قصير قد يتفوق على الاقتصاد الأميركي خلال /5/ سنوات، ثالثاً تخشى الولايات المحتدة الأميركية وصول العلاقات الروسية الصينية إلى درجة التحالف الاستراتيجي وهذا يشكل تفوقاً عسكرياً واقتصادياً وجغرافياً على "أميركا" ويقلب التوازنات، فالعالم بدأ يتمرد ويرفض السياسات الأميركية التي خلفتها الحروب التي شنتها بشكل مباشر بوسائل مختلفة خلال العقود الثلاثة الماضية، وأدّت إلى وقوع كوارث وفوضى وأزمات اقتصادية واجتماعية كبرى، رابعاً ظهور تحالفات وتكتلات جديدة في أنحاء كثيرة من العالم، وصعود دول ترفض الانصياع للإرادة الأميركية، وهذه الأسباب وغيرها هي التي رفعت من مستوى التصعيد والتهويل في أكثر من منطقة من العالم في محاولة لعرقلة ووضع حد لبروز "روسيا" و"الصين" ودول أخرى كقوى منافسة وتتغلب على "أميركا" ومن بين هذه المناطق "أوكرانيا".
ويبيّن د. صالح" أن "أميركا" تسعى من خلال التهويل والضغط على الحكومة الموالية لها في "أوكرانيا" لإقناعها أن "روسيا" قاب قوسين أو أدنى من غزوها، ولتضغط على "أوروبا" لتأييدها في مسعاها، وبالتالي جر القيادة الروسية للتورط في "أوكرانيا"، وبذلك تجد الولايات المتحدة لنفسها ذرائعاً وحججاً وأدلة، تستطيع في حال حصلت الحرب أن تحقق من خلالها عدّة أهداف منها فرض عقوبات أميركية غربية تصل إلى درجة قطع العلاقات مع "روسيا" تؤثر سلباً على الاقتصاد الروسي، كذلك تجبر "أميركا" الدول الأوروبية على إيقاف ضخ الغاز الروسي الذي يمر عبر "أوكرانيا" إلى "أوروبا"، وخلق بؤر توتر جديدة في الدول المحيطة بـ "روسيا" تمنع من خلال هذه الأزمات في "آسيا" الوسطى وبلاد "القوقاز" التواصل البري والبحري والتجاري بين "الصين" و"روسيا"، أيضاً تحاول "أميركا البقاء كقوة أولى في العالم من خلال خلق فجوة في العلاقات الصينية الروسية والروسية الغربية والصينية الهندية وهكذا لمنع وجود قوى تتغلب عليها.
ويشير د. "صالح" إلى أن ما نراه اليوم من تهويل وتصعيد غربي ضد "روسيا" لن يصل إلى حالة الحرب، لافتاً إلى أن الجانب الروسي قادر على حسم المعركة في بضعة أيام، مبيناً أن "روسيا" تدرك بشكل جيد أهداف وغايات "أميركا" وحلفائها من هذا التهويل والتصعيد.
ويرى د. "صالح" أن "روسيا" لن تقدم على الغزو وشن الحرب إلّا في حالتين، الأولى دخول "أوكرانيا" في حلف "الناتو" أو تسليمها سلاح يهدد الأمن القومي والداخل الروسي، والثانية إذا أقدمت "أوكرانيا" وبدعم غربي على الاعتداء المباشر على الشعب الذي يعود إلى الأصول الروسية الذي يعيش على جزء من الأرض الأوكرانية.
ويختم بالقول: «كل الاحتمالات واردة، لكن بقراءتي أن "أميركا" ستبقى تدفع الأطراف المتنازعة بالتهويل والتصعيد، وستبقى "روسيا" تمتص الضغوط لمعرفتها أن الأوروبيين لا يسعون للحرب، وكذلك الحكومة الأوكرانية، لإدراك الجميع بأن "أميركا" هي صاحبة المصلحة الأولى ومعها "تركيا" والكيان الصهيوني و"بريطانيا"، فكل الاحتمالات واردة لكن المرجح بقاء الحالة الراهنة، وإعطاء المزيد من الوقت للدبلوماسية لتقديم تعهدات لـ "روسيا" وضمانات بعدم ضم دول جديدة من جوارها لحلف "الناتو"، أو تسليم "أوكرانيا" سلاح يهدد الداخل الروسي.
ولا شك أن العديد من الملفات المترابطة التي تشهدها المنطقة أشبه بالنابض الذي تتأثر دوائره بالفعل ورد الفعل، ومن بينها الملف السوري، بحكم أن الأطراف المتحاربة والمتصارعة على أكثر من ساحة هي ذاتها، وأصبحت العديد من الساحات تدفع شعوبها الثمن كبيراً بسبب الفوضى التي يشهدها العالم، وطبيعة التكتلات والتحالفات الجديدة القائمة على الحروب والسياسات المدمرة».
