سجل الاقتصاد التركي نهاية العام 2021 أعلى معدل تضخم له منذ 19 عاماً بناءً على بيانات أصدرتها "الهيئة الوطنية التركية للإحصاء" في شهر كانون الأول لعام 2021، حيث وصل إلى نسبة 36 %، ومن الجدير ذكره في هذا السياق إصدار الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، مرسوماً يقضي بإقالة رئيس هيئة الإحصاء "سعيد إردال دينجر"، رداً على إصدار الهيئة الأرقام السنوية لمعدل التضخم النقدي وهو أعلى معدل تشهده البلاد منذ عقود.
وعلق خبراء متابعون لحركة الاقتصاد التركي، بأن هذا القرار لن يؤدي إلا إلى زيادة انعدام الثقة في البيانات الرسمية، في سياق تشكل فيه السياسة الاقتصادية بالفعل مصدر قلق سواء لدى المواطن التركي أو لدى المستثمرين، ورغم الارتفاع الكبير في الأرقام الرسمية لمعدل التضخم إلا أن الشارع التركي وتجار التجزئة هناك يتحدثون عن ارتفاع الأسعار بالأسواق بنسبة أكبر من هذه النسبة بكثير، إذ بلغت الزيادة في السلع الاستهلاكية حوالي الضعف وسط ذعر شعبي من الانهيار المستمر لليرة التركية وانتقادات لاذعة من المعارضة للسياسة الاقتصادية للرئيس التركي "أردوغان" لممارسته الضغط على البنك المركزي بوقت سابق من عام 2021 لخفض سعر الفائدة الأمر الذي ساعد بتراجع قيمة الليرة التركية.
وبرأي المعارضة فأن سياسة "أردوغان" الاقتصادية تتجاهل عاملاً مهماً ألا وهو أن تركيا تستورد نسبة كبيرة من المواد الأولية التي تدخل في إنتاج السلع التي تصدرها، وهذه المستوردات هي بالعملة الصعبة وبالتالي تزداد كلفتها بالليرة التركية بسبب تدهور سعر الليرة.
وكانت المعارضة التركية قد اتهمت وزير المالية التركي السابق صهر أردوغان "براءة البيراق" بإهدار أكثر من 100 مليار دولار في سوق الصرف التركية بهدف المحافظة على الليرة التركية دون أن يحقق نتائج تذكر.
وفي تقرير أعده الباحث الاقتصادي العالمي الشهير "ستيف هانكي" نشرته صحيفة "زمان" التركية في 30 كانون الثاني 2022، حول تقييم معدل التضخم الحقيقي في الاقتصاد التركي بعيداً عن مزاعم السلطات الرسمية، ذكر "هانكي" وهو أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة "جون هوبكنز"، إن النسبة الحقيقية للتضخم النقدي في الاقتصاد التركي تفوق بكثير الأرقام الرسمية وأضاف قائلاً: باستخدام البيانات عالية التردد ونماذج عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص تبين أن معدل التضخم الفعلي في تركيا بلغ 58.75 %، هذا الوضع يفوق الاحتيال اليومي الذي يمارسه كل من البنك المركزي التركي والرئيس التركي..
كما كشفت بيانات وزارة التجارة التركية عن بلوغ عجز التجارة الخارجية 10,4 مليار دولار خلال شهر كانون الثاني 2022، إذ بلغ إجمالي الواردات بدون الطاقة نحو 19 مليار دولار وكانت نسبة صادرات تركيا لوارداتها باستثناء الطاقة 88,3 %.
الدكتور ذو الفقار عبود الخبير بالاقتصاد والعلاقات الدولية أكد في تصريح خاص لـ "فينكس" أن انهيار الليرة التركية هو جزء من كارثة متوقعة، نتيجة إصرار النظام التركي على خفض أسعار الفائدة رغم معدل التضخم المرتفع، لافتاً إلى أن تمسك النظام التركي بخفض سعر الفائدة يعني مزيداً من ارتفاع معدل التضخم، ودفع بالعملة التركية إلى أقل مستوى لها أمام الدولار منذ 20 عاماً، وهذا أضر بالاقتصاد التركي، الذي يعتمد على الاستيراد.
وأضاف عبود: مع ارتفاع الأسعار، أصبح أغلب الأتراك يعانون من أجل توفير احتياجاتهم من الغذاء والسلع الأساسية الأخرى. في الوقت نفسه، فإن أزمة العملة التركية تبدد ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد التركي، مؤكداً أن سياسات الحكومة التركية دفعت بمعدل التضخم إلى أكثر من 20 %. وقلص ارتفاع الأسعار في تركيا قيمة الدخول والمدخرات، ما أثار احتجاجات شعبية، وإذا استمر تدهور الأوضاع الاقتصادية في تركيا، سيكون لذلك تداعيات جيوسياسية من الصعب التنبؤ بها.