عرش حكم ميركل يهتزّ: تطهير لغة أوروبا من «اللاجئين»!
خلال ظهيرة مشمسة في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا، مضى 27 زعيم دولةٍ أوروبية في جولةِ دردشةٍ على متن سفينةٍ سياحية، قبل أن يترجلوا على ضفاف نهر الدانوب، مقرّين خطةَ حرب الاتحاد الأوروبي على اللاجئين. لا يوجد وصفٌ آخر، غير محاب، يمكن أن يُلّخص ذلك الإعلان الذي صدر عنهم. الواقع السياسي لنخبة الحكم الأوروبية يشرح بما يكفي خلفيات الإجماع في تبني تلك الخطوة الراديكالية. آخر مظاهر هذا الواقع هو اهتزاز عرش المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بعدما أظهرت خسارتها في برلين أن شبح تحالف خصوم اليوم، حلفاء الأمس، يمكن أن ينتزع منها السلطة.
قمة «هيئة أركان الحرب» على اللاجئين سبقت بيومين موقعة الأحد في برلين. يجب التأمّل مَلِيًّا في إعلان براتيسلافا، وخريطة الطريق التي أقرها. يمكن استخدام فيلم «وداعاً لينين» للمقاربة. بطلته أصيبت بغيبوبة، انهار جدار برلين خلالها، فأفاقت على عالم آخر جاهد فيه مَن حولها لإيهامها أن لا شيء تغيّر. لو غاب مسؤول أوروبي عن الوعي، بين أيلول «الترحيب» باللاجئين العام الماضي وأيلول «لا أهلاً ولا سهلاً» هذا العام، ليقرأ إعلان براتيسلافا، لظنّ أن أوروبا تتعرض لغزو شامل من جحافل مهاجرين أشرار.
حرفياً، ليس هناك ذكر، ولا مرة واحدة، لكلمة لاجئين. هناك فقط مهاجرون، غير شرعيون، وتدفقات (حتى أنهم لا يقولون تدفقات ماذا؟) يجب عدم السماح بها مجدداً. طوال عام ظل الاوروبيون يتحدثون عن «أزمة اللاجئين»، لكنها هكذا تبخرت مرة واحدة. ليس هذا فقط، بل ليس هناك ذكر لأي صراعات، حروب، يمكن أن توحي بمعنى إمكانية «اللجوء». المسؤول الاوروبي، المستيقظ من غيبوبته، سيصحو على حملة تطهير كامل للغة السياسية.
خريطة الطريق تُقارب القضية تحت عنوان «الهجرة والحدود الخارجية». هناك الأهداف ثم الاجراءات لتحقيقها. الهدف الأول هو التالي: «عدم السماح إطلاقاً بالعودة إلى التدفقات خارج السيطرة للعام الماضي و(العمل لـ) المزيد من تقليل عدد المهاجرين غير الشرعيين». أما الاجراء الملوس الأول للتنفيذ فيكمل تجسيد النوايا الحربية «الالتزام الكامل بتطبيق بيان (الصفقة) الاتحاد الأوروبي وتركيا وأيضاً مواصلة دعم دول غرب البلقان» في مواصلة إغلاق حدودها.
المقدمات قالت إن شيئاً لن يَرُدَّ الأوروبيين عن تلك السياسة المتشددة. انتفى عِرق الحياء. كل الصفقة مع تركيا، إجازة ترحيل اللاجئين إليها، تقوم على أساس أنها «بلدٌ ثالث آمن». جرت مياه كثيرة، مجزرة سياسية، منذ إعلان ذلك في آذار الماضي، لكن شيئاً لم يغيّر: التصنيف «الآمن». انقلاب عسكري، بطوله وعرضه، حملة تطهير سياسية، عشرات الآلاف من المعتقلين، المطرودين من الوظائف، الدولة تحت حكم الطوارئ، لكن تركيا مع ذلك لا تزال «آمنة».
خرس الاوروبيون عن انتقاداتهم لحكم الرئيس رجب طيب ارودغان، بعدما كانت هوايتهم سابقاً. ليس إعجاباً بالطبع، فاللباقة السياسية، بعض الحكمة لكبح الغيظ، كانت تفترض أن يكونوا أقل إظهارا للتواطؤ مع المحاولة الانقلابية، أو أكثر احتشاما في دعمها: كانت الدبابات في الشوارع، البرلمان تم قصفه، وإعلانهم المشترك المتأخر كأنه يتحدث عن وعكة سياسية مطالباً بالهدوء والحفاظ على المؤسسات في العموم. اردوغان جاءته «هبة من الله»، مع بنك ابتزاز سياسي عامر. الكاتب التركي أورهان باموق، حائز «نوبل» للآداب، يُخبر العالم: «صرنا تحت حكم الارهاب». هنا أوروبا: لا ترى لا تسمع لا تُدين.
الآن فقط صوت المعارك الانتخابية المصيرية. كأن الزعماء الاوروبيين يريدون تطهير لغتهم السياسية: إعلاناتهم، من كلمة «لاجئين»، لتشريع سياسات القسوة وفق تصنيف «مهاجر» و «غير شرعي»، لتكون قسوة مبررة تُطرب الناخبين في منافسة نحو القاع مع اليمين المتطرف المزدهر. سبق أن تنبأت منظمة «أطباء بلا حدود» بهذه السوداوية، حينما أعلنت توقفها عن تلقي التمويل الاوروبي، معتبرة أن الصفقة مع تركيا: الاستراتيجية الأوروبية، تشكل تهديدا لمفهوم «اللاجئ».
هل لهذا تُحَوِّل المعركةُ السياسية القضيةَ من «أزمة للاجئين» إلى «أزمة هجرة»؟ سألت «السفير» المفوضية الأوروبية رأيها، فرئيسها جان كلود يونكر كان يدافع عن سياسة «الترحيب» باللاجئين قبل عام، لكنه صادق على إعلان براتيسلافا. أجاب المتحدث باسمها مارغريتس غيناس: «لا أشاركك قراءتك (حتى لو كانت حرفية؟!) لنص براتيسلافا، فأنا أقرأ أن هناك إقراراً محدداً من كل الزعماء لخطاب حال الاتحاد للرئيس يونكر، وأقرأ أن هناك نداء محدداً لتطبيق المقترحات السياسية الملزمة».
في خطاب حال الاتحاد، لم يتحدث يونكر عن أن الالزام مطلق. قال إن التضامن الأوروبي، لتقاسم المسؤولية بالنسبة للاجئين وفق قرارات متّخذة، يجب أن يكون «طواعية، من القلب» وليس فرضا. لم يدافع عن اللاجئين كما فعل سابقا. مع ذلك، يرفض المتحدث باسم المفوضية فكرة أن هناك تحولاً من صيغة «أزمة لاجئين» إلى «أزمة هجرة»، موضحا «نحن لم نغيّر أي شيء، فلدينا خطة شاملة لمواجهة أزمة اللاجئين، لها عناصر عديدة ونريد رؤية تقدم في كل عناصرها».
التحوّل تمكن رؤيته في في خطاب مُطلِقَةِ «ثقافة الترحيب». المستشارة ميركل قالت، بعد الخسارة التي تكبدها حزبها في برلين، إنها كانت لتعود إلى الوراء وتغيّر سياستها لو كانت تعرف بما يحدث الآن. قالت إنها كانت لتعيد الزمن لو كان «سيسمح باستعداد أفضل للتدفقات» اللاجئة، ولكانت درست «تغيير» سياستها لو علمت أن «الشعب يريد...».
إنه تراجع مدروس، متحفّظ، يميل إلى تذكير الألمان أنها فعلت ما أرادوه. رحّبت وأهّلت حينما كانت الاستطلاعات تقول إن غالبية الالمان يؤيدون ذلك، وها هي تتعهد بـ «الكفاح» لعدم إعادة تلك «المغامرة» طالما أن شعبها يريد. استكمالا للتطهير الأوروبي، لكن على المستوى المحلي، أعلنت تخليها عن شعار: «نحن قادرون على ذلك»، بحجّة استغلاله وإفراغه من معناه، بعدما أطلقته تمهيدا لفتح الحدود أمام اللاجئين العام الماضي.
المستشارة معروفة بواقعيتها البراغماتية. ها هي الآن ترى فعلاً أن عرش حكم حزبها يهتزّ. انتخابات مقاطعة برلين ظهّرت الشبح الذي يمكنه فعل ذلك. هناك يمضي الآن الاشتراكيون (21.6 في المئة) إلى تحالف ثلاثي، مع حزب الخضر (15.2 في المئة) وحزب اليسار (15.6 في المئة). هكذا يهجرون تحالفهم السّابق مع حزب ميركل، «المسيحيين الديموقراطيين»، الذي حقق 17.6 في المئة، خاسراً 5.7 نقاط مئوية مقارنة بانتخابات 2011، لتذهب معظم خسارته (الاشتراكيون فقدوا أيضا 6.7 في المئة) لمصلحة حزب اليمين المتطرف «البديل لأجل المانيا» الذي حصل على 14.2 في المئة، ليدخل عاشر برلمان ولاية من أصل الولايات الالمانية الست عشرة بفضل القضم الناجح من قاعدة حزب المستشارة.
التفصيل في الارقام دلالته مهمّة لاستحضار مخاوف ميركل، فهي ألغت زيارتها إلى نيويورك، لتبقى وتقدم الوعود للناخبين بأنها تعلمت الدرس. فكما في برلين سابقا، يحكم ألمانيا تحالف حزب ميركل مع الاشتراكيين. لا خطر على ربحها الانتخابات بعد عام، فالاستطلاعات تعطي حزبها الصدارة مع 33 في المئة، خلفه الاشتراكيون مع 23 في المئة، وحزب «البديل» المتطرف 14 في المئة. الخوف أن تتزايد الخسائر، ما يمنح الفرصة لتحالف آخر يطيح حكم حزبها.
الخوف يبقى من الفشل، استعصاء تعطيل مارد الخوف، وإعادته إلى القمقم، بعدما أخرجه اليمين المتطرف للناخبين ليحقق له نجاحاته الانتخابية. لذلك، فكل التركيز سينصب على سياسات صدّ اللاجئين وردعهم. بكلمات الزعماء الاوروبيين، التي أقروها بيقين في تلك الظهيرة المشمسة على ضفة النهر، يريدون استعادة «جاذبية» الاتحاد الاوروبي لمواطنيه، خلال أشهر يرونها حاسمة مرددين: «لدينا الارادة والقدرة على ذلك».
لحسن الحظ، هناك من ينغّص على الجوقة. رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رينزي، بلادُه، مثل اليونان، لم تتلقَّ «التضامن» الأوروبي لكون قَدَرِِها أن تكون بوابةً جغرافية لأوروبا. حينما كان نظيراه، الفرنسي والالمانية، يعقدان مؤتمرا صحافياً مشتركاً، خرج بمفرده ليقول معترضاً: «لست راضيا عن النتائج (الاعلان وخريطة طريقه) بالنسبة للنمو والهجرة، فاعتبار ذلك خطوة للامام يتطلب شكلاً من الفانتازيا». لماذا يتحدث لوحده؟ ردّ بتكهم: «ليس عليّ أن أتحرك وفق السيناريو لإظهار أننا متحدون».
وسيم ابراهيم
السفير
