المثقّف العلوي.. الخنجر الأبيض في رقبتنا
2025.11.03
ريتا خير بك
أقسى من يد الخاطف يدٌ تكتب. الخاطف يسحب الجسد الى العتمة؛ والمثقّف الذي يخجل من قول «امرأة علوية» يسحب الاسم من الجملة. الاول جريمةٌ فاجرة؛ الثانية جريمةٌ أنيقة. هكذا تُسلَّم بناتنا للذئاب ببيانٍ خجول يغسل الدم بالمحبّرة.
يا مثقفي الطائفة الذين شاركتم في الحملة وتورّعتم عن الاسم: ماذا تسمّون هذا غير مشاركةٍ في الإعدام الرمزي؟ من لا يجرؤ على «علوية» وهو يكتب عن الخطف، يضع قفّازًا أبيض على يد الجلّاد. أنتم لا تحافظون على «وحدة الخطاب»؛ أنتم تُفقِدون الضحية لغتها. الجريمة حين تُعمَّم تُبرَّد. والدم حين يُسحب منه نسبه يصبح «خبرًا»، لا صرخة.
نفسيًا، هذا خجلٌ مستبطن من الذات، تطابُقٌ مع المعتدي لطلب الرحمة. تسمّون التعميم «رصانة»، وهو تخديرٌ للضمير: صدمةٌ بلا لسان، خوفٌ بلا عنوان. تتعلّم البنتُ لدينا قوّةَ الاختفاء بدل قوّة التسمية. هاتفٌ لا يفرغ من الشحن، طريقٌ يُختصر كأنه ملجأ، كتفٌ يلتفت كلّ ثلاث ثوانٍ… ثم تأتي «ثقافتكم» لتقول لها: كوني «سورية» فقط، لا تقولي «علوية». أيُّ تواطؤٍ أرقّ من هذا وأقتل؟
اجتماعيًا، أنتم تمارسون عنفًا رمزيًا كامل الأثر صفر الدم. بورديو سماه «العنف الذي يعمل بالمفاهيم». حين تُستبدل «علوية» بـ«سورية»، تُعطّلون البوصلة: الجمعيات لا تعرف لمن تدق، الارشيف لا يعرف ماذا يحرس، السردية تفقد خرائطها الدقيقة. يولد «حيادٌ مُصنَّع» يساوي بين المستهدِف والمستهدَف، وبين منظومة العنف وحادثةٍ عابرة. وكلّ حيادٍ كهذا هو سُلّمٌ رخامٌ يهبط عليه الإفلات من العقاب بخطواتٍ واثقة.
سياسيًا، إسقاط الاسم سياسة افلات. لا حماية بلا تعريف، لا مساءلة بلا تعيين. التعميم يمحو دليل الاتهام: كل ما لا يُسمّى يُباح. تحويل الاستهداف البنيوي الى «تفلت امني» هو دعاية السلطة ومطهّر الجلّاد. وحين تُرَدَّد بلغاتٍ مصقولة، تصبح شهادة أخلاق زائفة. أنتم تُسقِطون مفتاح العدالة من الباب ثم تتساءلون لماذا لا يُفتَح.
فلسفيًا، ما تفعلونه إعدامٌ للمعنى قبل الجسد. هذا هو مفهوم «الابادة الرمزية»: نزع العلامات التي تمنح الانسان قابليّة الحماية. المرأة حين تُسلَب «علوية» تُلقى في خانة «حياة عارية»: صالحةٌ للطمس الاداري والمساومات الاعلامية. هنا تتجلّى «تفاهة الشر»: قتلٌ يُلمَّع بعمومياتٍ رفيعة، محوٌ يُسوَّق بلغة «نحن جميعًا». أيُّ «نحن» لا تتسع للاسم وهي تتسع للقتل؟
لا تقولوا «نخاف من التطييف». التسمية ليست تحريضًا؛ التسمية إنقاذ. من دون الاسم تُدفَن الحقيقة حيّة. من دون الاسم لا إحصاء ولا ملفات ولا اجراءات وقاية موجهة. من دون الاسم تنقلب البناتُ الى «مؤشرات»، والامهاتُ الى «شواهد»، والقرى الى «نقاطٍ على خريطة». هذا ليس خطابًا مسؤولًا، هذا دفنٌ لغويّ.
الألم ليس استعارة. إنّه ضوءٌ يبقى ليلًا في غرفةٍ لا تنام، وصوتُ مفاتيحٍ تحفظه أمٌ كمن يحرس قلبًا، ورقمُ لوحةٍ محفورٌ على راحة أبٍ خائف. ثم يأتي المثقّف «اللطيف» ليقول للألم: اخفض صوتك، لا تذكر نسبك. أيُّ جفاءٍ أبلغ؟ أيُّ خيانةٍ أهدأ؟
هذه ايضًا إبادة ممنهجة. نعم، ممنهجة: تبدأ في الجملة وتستكملها الرصاصة. تبدأ في بيانٍ نظيف وتنتهي في قبرٍ بلا لوحة. ومن يبرّر محو الاسم اليوم يبرّر محو الجسد غدًا.
توبتكم ليست تغريدة. التوبة فعلٌ ملموس:
أن تعلنوا الاعتذار العلني عن إسقاط «علوية».
أن تُصحّحوا منشوراتكم القديمة وتُعيدوا الاسم الى مكانه.
أن تتعهدوا بعدم مرور جملةٍ في حضوركم تُسقط الاسم.
أن تحوّلوا رأسمالكم الرمزي الى حمايةٍ: أرشفةٌ دقيقة، توثيقٌ بالاسم والبلدة والساعة، تدريبٌ لغويّ مضادّ للمحو، مرافعات قانونية تُسمّي وتُعيّن.
لن تُحمى أي امرأة اذا مُحيت المرأة العلوية من الجملة. العدالة كونية، نعم؛ لكن طريقها يبدأ من خصوصية الجرح. إن لم تقدروا على قول «علوية» فلا تسمّوا هذا رصانة؛ سمّوه بما هو: خوفٌ مغلّف. ومن لم يجرؤ على الاسم، فليصمت على الاقل؛ فالصمت—على قسوته—أشرف من بيانٍ أنيقٍ يلمّع الابادة.
قولوا الاسم كاملًا: امرأة علوية. سمّوا لتنجوا.