الحكومات التي تصغي لأنين شعبها أقوى من تلك التي تصم آذانها
2025.11.01
منيب هائل اليوسفي
تقول الحكومة في تبريرها لرفع سعر الكهرباء أنها خطوة ضرورية.. وإن الأسعار في الدول المجاورة أعلى، وكأنها تتحدث عن شعوب متشابهة في الظروف.. أو عن دول تتساوى في الدخل والمعيشة والقدرة على الاحتمال.
لكن المقارنة لا تكون بالأرقام وحدها، فلكل شعب وجعه، ولكل واقع حسابه الخاص، وما يحتمل في بلد قد يكون فوق طاقة وقدرة الناس في بلد آخر.
المواطن أو الموظف السوري (خاصة) ليس رقما في جدول للمحاسبة، هو في المحصلة إنسان أفنى عمره في خدمة الدولة، ينتظر آخر الشهر ليقبض ما يبقيه على قيد الحياة.. وما يقيه ذل العوز والسؤال.
أما المتقاعد.. فهو من أنهكته الأيام.. يراقب فتات راتبه كمن يعد أنفاسه الأخيرة، لأنه لا يملك مصدر دخل آخر.. ولا معينا يسنده في آخر العمر.
ذلك الراتب التقاعدي الذي يفترض أن يكون في الدول التي ترعى أبناءها (ضمانة حياة كريمة) تحول عندنا إلى حبل رفيع يتشبث به الكهل في وجه عاصفة الغلاء.
حين ترفع الكهرباء.. لا يرتفع العداد وحده..
كل شيء يصعد معه: الخبز، والخضار، والدواء، الطبابة، التعليم، كل شيء.. وحتى (جرزة البقدونس) التي كانت رمز البساطة ستصبح ترفا في مطبخ فقير..
الغلاء مثل كرة ثلج.. تبدأ من رقم صغير على الفاتورة وتنتهي بانهيار قدرة الناس على الاحتمال.
ليس المقصود من كلامي التشاؤم أو رسم صورة سوداوية.. إنما التحذير من جرح سيبدأ بالاتساع والالتهاب.
فمن غير المنطقي أن يطلب من المواطن أن يتحلى بالصبر والأخلاق والفضيلة في الوقت الذي سيحاصر فيه بلقمة العيش وستغلق أمامه أبواب الرزق.
ثم كيف يمكن محاربة الفساد والرشوة في الوقت الذي تضغط فيه قرارات الحكومة على مواطنيها بزيادة سعر الكهرباء؟
الفساد ايها السادة لا يولد من فراغ.. إنما من الحاجة والضيق وضياع العدالة.
والمعادلة الذكية التي ينبغي على أي حكومة راشدة أن تتقنها.. هي التوازن بين تأمين حياة كريمة لمواطنيها وبين تحقيق المكاسب المادية التي تحفظ للدولة استقرارها.
حين يشعر المواطن أن الدولة تحميه وتراعيه.. يصبح هو أول من يقف في وجه الفساد، لأنه يرى نفسه شريكا في الوطن.. وليس ضحية له.
لو أن من يتخذ القرار نظر إلى الأمور بعين المواطن قبل عين الوزير... لما بدأ الإصلاح من جيوب الفقراء أنما من الجيوب التي امتلأت من فساد الإدارات والهدر والصفقات المشبوهة و المحسوبيات.
كان سيطفئ الهدر قبل أن يطفئ المصابيح.. ويصلح العقل قبل السلك.. ويوازن بين مصلحة الدولة وكرامة الناس.
كان سيجعل من الكهرباء مشروع ثقة.. وليش مشروع جباية، ومن الوزارة بيت خدمة لا قلعة جباة.
فالكهرباء ليست سلكا ونورا فحسب بل هي عدالة تمشي في العتمة لتضيء وجدان الناس قبل بيوتهم.
وكما هو معلوم لدى فقهاء القانون.. الجريمة لاتولد من فراغ، فهي كالمرآة الحامل لايشعر بها أحد إلا لحظة ان تضع وليدها.. والجريمة كذلك.. لها مقوماتها وهي لا تبدأ من شارع مظلم فحسب.. إنما من بيت انطفأت فيه الكهرباء وجلس فيه أب عاجز أمام أطفاله وأولاده لا يعرف كيف يدفع فاتورة النور.
الفقر هو الشرارة الأولى لكل انحراف وخرق للقانون.. والإحباط هو الوقود الذي يشعل النار في النفوس.
الإصلاح أيها السادةة الكرام لا يمكن قياسه بعدد القرارات... إنما بقدر الرحمة والحكمة والتبصر في تنفيذها وبأن تنظر الحكومة في عيون مواطنيها قبل أن تنظر في دفاترها.
ومن لا يسمع أنين الجياع لن يفهم يوما معنى التنمية.
الكهرباء التي تضيء المدن قد تطفئ القلوب إذا انفصل الضوء عن الواقع والعدالة.. وإذا لم يراع في تسعيرها من يكد النهار ليعيش الليل بكرامة.
إن الرجوع عن القرار ليس ضعفا بل هو حكمة.. فالحكومات التي تصغي لأنين شعبها أقوى من تلك التي تصمّ آذانها.
عودوا عن القرار قبل أن يتحول الغضب إلى وجع لا يحتوى، وقبل أن يتحول النور الذي وعدتم به إلى شرارة تنذر بانطفاء الثقة بين المواطن ودولته.
فأعظم الإصلاح هو إصلاح الخطأ في حينه، وأشرف القرارات هو ذاك الذي يعيد الدفء إلى قلوب الناس قبل الكهرباء إلى بيوتهم.
(((واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)))