اليسار الفاعل والمغبون
2025.06.09
آرام كاربيت
اليسار هز أوروبا هزًا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى الثلث الأول منه.
وبسبب نضالاته، تحسنت ظروف الشرائح الاجتماعية المهمشة، منها، أنه حصل على العطلة الأسبوعية والعطلة السنوية، تم تخفيض ساعات العمل من 18 ساعة في اليوم إلى 8 ساعات، وحصل على الطبابة المجانية والأدوية.
وأصبح لهذا الإنسان المهمش مكانة وقيمة، وهذا اليسار شجع بل انخرط في في الحركات االاجتماعية والسياسية لتحسين ظورف الناس، وساهم في قيام الثورات الوطنية في العالم كله.
لقد قطف الناس على طول مساحة الكرة الأرضية الكثير من المكاسب بسبب هذا اليسار.
ولكن النخبة المالية العالمية في العالم كله، اشتغلوا معًا على تهميش اليسار وإزالته من التداول ليبقوا وحدهم في الميدان.
وبسبب غياب هذا اليسار نشهد اليوم التراجع في كل الميادين كالمكاسب الاجتماعية، واصبح الطب سيئًا والأدوية سيئة وغالية الثمن، وزادت العنصرية الدينية والقومية، والحروب الشرسة للاستحواذ على المكاسب.
كان اليسار هو السد المنيع في وجه الطوفان اليميني المدمر.
بل سنرى النتائج السلبية في المستقبل الغير بعيد.
اليوم لم يعد هناك يسار، تم القضاء عليه بسبب البروبوغندا الامريكية وسطوتها وثقافتها السطحية، وبسبب الجمود السياسي والأيديولوجي والفكري للدولة السوفيتية البائسة التي هيمنت عليه وجردته من سلاحه الفكري والثوري لمصلحة بقاء دولة خربانة من الداخل.
اليوم، اليسار يعتبر عيبًا في نظر الكثير من الناس، وننسى أن اليمين هو سيف الموت في العالم، هو سيف النخبة العسكرية والمالية والسلطة.
الشعوب اليوم عارية وستتعرى أكثر مع الأيام إذا بقي اليمين مسيطرًا على عالمنا.
******
إذا عاد اليسار، يجب عليه أن يعود وفق قانون نفي النفي، أن يعود معبئًا بقيم جديدة، حاملًا فكرا مختلفًا عن الأيديولوجية السوفيتية أو الصينية، أن لا يكون مقتصرًا على منطقة محددة.
عالمنا اليوم أصبح متشعبًا، محاصرًا بالحرب والجوع والتصحر، وخراب البيئة والتمايز في كل شيء.
الصراع اليوم بين التكنولوجيا ووجود الإنسان، وأن يتم إنزالها من علياءها وووضعها في خدمة الإنسان.
بالمحصلة عليه مهمات كثيرة وثقيلة.
******
الفارق بين الرأسمالية واليسار، كالفارق في المسافة بين النجوم والأرض.
الأول نمط إنتاج أصيل وواقعي، أما الثاني فهو ممارسة الفكر والسياسة، وهو يتعامل مع الواقع بردات فعل، بمعنى أنه لا يملك رؤية استراتيجية ولا مفاهيم استراتيجية واقعية للانتقال نقلة جديدة إلى نمط إنتاج مختلف ومتقدم.
أغلب حركات اليسار مخصية فعليًا وواقعيا، الأمر ليس بيده، أنه لا يملك أدواته ومفاهيمه، ولا رؤية له، بل أنه عاجز عن تحقيق أي مكاسب استراتيجية سوى البكاء، ممكن يساهم في تخفيف حدة الفقر أو الجوع والصراخ.
حتى في غياب الرأسمالية، أو عدم وجودها، لا يستطيع اليسار أن يبني نمط إنتاج اشتراكي، هذا محال، لأنه عاجز عن إيجاد أدواته الفكرية والتاريخية.
إنه ينتظر أن تترجل الرأسمالية عن عرشها ليصعد عليها، ويبني برنامجه الوهمي كما يتوهم.
لهذا رأينا أن الكثير من المفكرين بنوا نظريتهم على هذا الاساس، وتنبئوا أن تلتحق الدول التي رفعت شعار الاشتراكية في النظام الرأسمالي، كروسيا والصين وفيتنام وغيرهم.
*******
الثورات الفلاحية التي اجتاحت القرن العشرين، استطاعت أن تكرس وجودها وفكرها وعقلها في الواقع، بل هزمت الفكر الأوروبي وحلت معه في الواقع.
حتى اليسار الأوروبي أصبح فلاحي النهج ومتخلفاً لا يملك مشروعية فكرية وسياسية تناسب أوروبا والولايات المتحدة.
لا يملك مفاهيم حداثية، وليس لديه القدرة على شق هذا الطريق.
نحن أمام مصيبة كبيرة، لأن التخلف الفكري طرد الفكر التنويري، وهزمه بالضربة القاضية.
الفكر الفلاحي مصيبة، انطلق وينطلق من عقدة الدونية اتجاه المدينة في المقام الأول، أنه فكر رجعي جاء من تكوين العقل الفلاحي، الكائن الرجعي، الكاره للتقدم والتنوير، وثوراته رجعية معيقة للتقدم والفكر المتقدم. أنه فكر عشائري، قبلي.
إنه كاره للفكر الذي يزعزع مكانة فكره المتخلف.