هل كان النظام السوري، نظام الاسدين، نظامًا طائفيًا علويًا؟
2026.06.13
منصور المنصور
كثيرًا ما طُرح هذا السؤال وما زال يطرح. بل إن كثيرين لم يطرحوه بوصفه سؤالًا، وإنما بوصفه حقيقةً محسومة، فاعتبروا أن النظام السوري كان نظامًا طائفيًا علويًا.
لذلك أرى ضرورة إعادة طرح السؤال من جديد، ولكن من زاوية مختلفة: ما المقصود أصلًا بكلمة «نظام»؟ وما هي المكونات التي يتشكل منها أي نظام سياسي؟
ــ تعريف النظام ومكوّناته
النظام السياسي هو منظومة حكم متكاملة تتكون من مجموعة عناصر ومؤسسات تعمل معًا لضمان استمرار السلطة وإدارة الدولة. والتشديد هنا على عبارة «تعمل معًا» مهم جدًا، لأن أي خلل في أحد هذه المكونات ينعكس على بقية المكونات ويؤثر في قدرة النظام على الاستمرار وأداء وظائفه.
وتتكون هذه المنظومة من العناصر التالية:
1ــ القيادة السياسية، وهي مركز اتخاذ القرار الأعلى في الدولة.
2ــ الأجهزة الأمنية والعسكرية، وهي أدوات الضبط والسيطرة وحماية السلطة.
3ــ شبكات النفوذ الاقتصادية والإدارية، وتشمل رجال الأعمال والبيروقراطية ومراكز القرار الاقتصادي.
4ــ الحزب أو الأيديولوجيا التي تمنح النظام غطاءً فكريًا وتنظيميًا، وتعمل على تعبئة الأنصار والدفاع عن السلطة.
5ــ الآلة الإعلامية، من تلفزيون وإذاعة وصحف ومجلات ووسائل تواصل اجتماعي، والتي تتولى تشكيل الرأي العام وترسيخ رواية النظام.
6ــ المنظمات الشعبية والنقابية، كاتحاد شبيبة الثورة واتحاد الطلبة والنقابات المهنية وغيرها، والتي تعمل على تعبئة المجتمع وحشده خلف السلطة أو على الأقل إبقائه ضمن إطارها السياسي.
ـــ كل هذه المكونات يجب ان تعمل معا لضمان حماية واستمرار النزام.
ـــ إعادة قراءة التجربة السورية
إذا طبقنا هذا التعريف على الحالة السورية، سنجد أن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير من الاختزال الطائفي الشائع.
ـــ فإذا بدأنا بالقيادة السياسية والآلة الإعلامية والمنظمات الشعبية والنقابية، سنلاحظ أنها لعبت منذ عام 2011 وحتى سقوط النظام دورًا محوريًا في دعمه واستمراره، ولا يقل هذا الدور أهمية عن دور الجيش والأجهزة الأمنية. فقد ساهمت هذه المؤسسات في تعبئة المجتمع وحشده خلف السلطة، بل وشجعت قطاعات واسعة من المدنيين على التطوع للدفاع عن النظام والمشاركة في تشكيل قوات رديفة للجيش، التي شكلت النسغ الذي مدت الات القمع الرهيبة بالعناصر في كل المدن وكل القرى السورية. مثال/ لم يأت علويون من الساحل لقمع المظاهرات في حوران او حلب او دير الزور.
وكانت هذه المؤسسات، بحكم طبيعتها، تضم سوريين من مختلف المكونات الاجتماعية والطائفية، وبنسب قريبة من التوزع السكاني العام. وبما أن السنّة يشكلون الأغلبية السكانية، فقد كانوا يشكلون النسبة الأكبر داخل هذه المؤسسات.
ـــ المجال الاقتصادي
الاقتصاد هو المحرك الاساسي للنظام والدولة، وهو من يحيي ويميت الانظمة، وبدون الاقتصاد لن يعيش اي نظام.
رجال الاعمال السوريين من تجار وصناعيين في جميع المجالات هم من المدن، وخاصة الكبرى منها، دمشق وحلب، وجلهم من النسة، حتى المدن الاصغر. وقد لعبت هذه النخب دورًا محوريًا في الاقتصاد السوري، كما نسجت علاقات مصالح متبادلة مع السلطة السياسية. ودعمت السلطة والنظام. وتجار دمشق وصناعييها لعبوا دورا حاسما في تثبيت حافظ الاسد في السلطة. وفي الفترة بين 2011 ــ 2024 لعب رجال الاعمال دورا قويا ورديفا صلبا في الدفاع عن النظام ومده بكل اسباب القوة ليستمر، وجلهم من السنة.
ـــ المجال الإداري والمؤسساتي
وفي المجال الإداري، أي في الجهاز البيروقراطي الضخم الذي يشكل الآلة اليومية للدولة، كانت الوزارات والمؤسسات العامة والجامعات والسلك الدبلوماسي والإدارات الحكومية تضم موظفين ومسؤولين من مختلف مكونات المجتمع السوري. وهذه الالة الضخمة هي التي دفعت بالنظام الى الامام وهي التي جعلته يبقى قويا. فلا يمكن لنظام ان يستمر بالحرب دون القسم المدني المهم في تسيير المؤسسات المدنية كلها. وهذه البيروقراطية شكلت الجيش المدني الرديف لبقاء النظام
وبحكم التوزع السكاني ايضا، كان للسنّة الحصة الأكبر عددًا داخل هذا الجهاز، كما تولت نفس النسبة من السنة مناصب رفيعة في الحكومة والإدارة العامة ومؤسسات الدولة المختلفة.
ــ حزب البعث والمنظومة السياسية
أما حزب البعث والمنظومة السياسية المرتبطة به، فلم يكونا محصورين بطائفة واحدة. فقد كانت القيادات الحزبية موزعة على مختلف الطوائف، وكان للسنّة حضور واسع داخلها. وقد درج النظام لعقود على أن يكون الأمين العام المساعد والأمين القطري المساعد من الطائفة السنية. أما على مستوى العضوية، فقد كان الحزب يضم ملايين السوريين، حتى أصبح الانتماء إليه، بدرجات مختلفة، جزءًا من الحياة العامة في البلاد. مع ملاحظة تلاشي دور الحزب اثناء الصراع منذ 2011 حتى سقوط النظام.
ـــ البعد الأمني والعسكري
هذا لا ينفي وجود تركز واضح للضباط العلويين في بعض الأجهزة الأمنية والعسكرية الحساسة، ولا سيما تلك المرتبطة مباشرة بأمن النظام واستمراره. وكنسبة وتناسب كانوا النسبة الاكبر من بين المكونات الاخرى.
لكن هذا الواقع لا يلغي وجود ضباط كبار من الطائفة السنية ومن سائر المكونات السورية في مواقع عسكرية وأمنية مهمة. بل في قيادة الصف الاول لهذه الاجهزة
ويبدو أن الحضور الكبير للعلويين في بعض الأجهزة الحساسة ارتبط ببنية الثقة والولاء التي اعتمد عليها حافظ الأسد، وبطبيعة الدولة الأمنية التي جعلت من هذه الأجهزة مركز الثقل الحقيقي في السلطة.
ومن الملاحظ أن هذا التوجه ازداد بصورة واضحة بعد الصراع مع الإخوان المسلمين، وخصوصًا بعد محاولة اغتيال حافظ الأسد في 26 حزيران 1980. أما قبل ذلك، فكانت الحماية الشخصية للرئيس تتكون بالكامل السنة.
ــ الخلاصة
وفق هذا التحليل، يبدو النظام السوري أقرب إلى كونه نظامًا ديكتاتوريا سلطويًا مركزيًا يقوم على شبكة معقدة من التحالفات السياسية والأمنية والاقتصادية والإدارية. الهدف الاول والاخير للنظام هو بقائه واستمراره باية طريقة كانت.
لذلك فإن اختزال النظام في هوية طائفية واحدة لا يعكس حقيقة بنيته الداخلية، ولا يفسر آلية عمله الفعلية. فالنظام لم يكن يتكون من الأجهزة الأمنية وحدها، بل من منظومة واسعة تضم القيادة السياسية، والبيروقراطية، والاقتصاد، والحزب، والإعلام، والمنظمات الشعبية.