نهاية الحرب لا تعني بداية سلام: الاتفاق الأمريكي الإيراني ومخرجاته العبثية
2026.06.22
فراس حمدون
"اتفاقات السلام" بين التقليد التاريخي والواقع المشوه
عبر التاريخ شهدت الحروب نهايات تقليدية تتوّج باتفاقات سلام واضحة، تظهر فيها موازين الربح والخسارة بجلاء؛ حيث يرضخ الخاسر بصيغة الاستسلام، بينما يملي بكل نشوة المنتصر شروطه.
إن الكلمات التي صيغت بها تلك الاتفاقيات التاريخية قد أثرت على مصير الدول الخاسرة لعقود طويلة، بل وأحدثت تغييراً كاملاً في شكلها البنيوي؛
كما حدث مع تركيا التي انتقلت من "دولة خلافة" إلى دولة علمانية، وألمانيا التي تحولت من دولة بـ "عقيدة التفوق العرقي والنازية المقيتة" إلى نقيض ذلك تماماً. في تلك الحقب، كانت الخطوة الأخيرة في الحرب هي الخطوة الأولى والفعالة نحو سلام مستدام.
أما اليوم، فإن ما توّج بتوقيع "مذكرة تفاهم إسلام آباد" بين الولايات المتحدة وإيران، يمثل ظاهرة "مشوهة" غاية في الخطورة؛ إذ إن نهاية الحرب هنا لا تعني بداية سلام، بل هي مجرد "قلب لصفحة في التاريخ، ليس إلا، وبدون وضع نقاط في آخر السطور"، مما يترك الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات السيئة.
واقع الشعوب العربية: من طموح "الربيع العربي" إلى صدمة "الدولة العميقة"
يأتي هذا الاتفاق والوعي العام العربي يعيش أشد فترات هشاشته عبر التاريخ؛ فالدول التي كانت يوماً مصدر القرار الإقليمي، دخلت القرن الحادي والعشرين وكأنها تصارع أمواجاً تسير عكس اتجاهها.
وفي هذا التوقيت الحرج، دخلت شعوب المنطقة ضمن مسار "الربيع العربي" في محاولة لنفض غبار الماضي، وتجديد الوعي المجتمعي والسياسي، ومطاردة التقدم الحاصل في العالم عبر قيم الحرية والعدالة والمساواة.
لكن هذه الطموحات اصطدمت بواقع مخيب للآمال؛ إذ تبين أن الأنظمة والسلطات في المنطقة قد تحولت (خلال فترة الركود الاجتماعي والثقافي والسياسي) إلى "دول عميقة" أقوى من شعوبها ورغباتها في التغيير.
وبدلاً من تحقيق العدالة، أدخلت هذه الأنظمة شعوبها في صراعات خاسرة دوماً، مما أدى في النهاية إلى تراجع الوعي الذي بدأ يتشكل مع بداية القرن، سواء فرضت الشعوب إرادتها بطريقة ما أم لم تفرضها.
المشهد السياسي: وانكشاف الأمن القومي العربي
تتزامن هذه التحولات مع أحداث على الأرض قد تشكل خارطة طريق لبلداننا العربية لمئة عام قادمة أو أكثر، بل هي قد تكون أكثر تأثيراً في التاريخ من "اتفاقية سايكس بيكو".
دار هذا الصراع الشرس بين الأقطاب القوية والفاعلة في المنطقة:
قطبان شرسان هما "الكيان وإيران"،
مع وقوف القطب الثالث والمؤثر "تركيا" بدور من ينتظر نهاية الحرب ليقرر موقفه بناءً على مكاسبه،
في حين تدخلت القوة الأكبر عالمياً "أمريكا" إلى جانب الكيان بكل وضوح ودعم غير محدود.
وفي وسط هذا المشهد الدولي والإقليمي، تجلى انكشاف الأمن القومي العربي بالكامل؛ حيث تعرت وبدت الدول العربية في هذا المشهد البائس كشخص شبه عارٍ في يوم عاصف بالأمطار والصواعق. وتمثل ذلك بغياب تام ومطلق لأي مقعد أو صوت أو إرادة عربية رسمية في صياغة البنود، وتحوّلت الجامعة العربية إلى شاهد صامت للأحداث وأقرب لمتحف شمع.
والمتأمل للمشهد من خارج هذا العصر، لن يجد شبهاً لهذا الانكشاف العربي سوى حالة الأندلس قبيل سقوطها؛ حيث الثراء الاقتصادي والمعرفي، يقابله عجز واعتماد على حماية خارجية واهمة "حلفاء لكنهم أعداء في الواقع".
حلفاء الأطراف: المساواة بين الدول السيادية والميليشيات
إن أخطر ما يتبدى في ملامح هذه الظاهرة المشوهة التي كرستها اتفاقية إسلام آباد، هو تعمد إعادة التعريف وخلط الأوراق بشكل غير مسبوق في القانون الدولي؛ حيث تساوت الدول العربية وشعوب المنطقة -بكل جلافة سياسية- مع ميليشيات وفصائل إيرانية ذات أيديولوجية متخلفة تهدف لزعزعة المجتمعات العربية.
لقد حوّلت مخرجات الحرب الطرف العربي الرسمي إلى مجرد "كلمة عابرة مقيتة" تصفهم كـ "حلفاء" لأمريكا، كصيغة منمقة وبديلة لكلمة "الأتباع" الملزمين بالتهدئة وتأمين المصالح الأمريكية،
وبالمقابل حوّل الاتفاق ذاته تسمية أذرع إيران الخبيثة والعابرة للحدود في جبهات لبنان واليمن والعراق إلى الكلمة ذاتها "حلفاء" لطهران، حيث اشترط الاتفاق على إيران كبح جماحهم كقوة موازية ومعترف بنفوذها.
هنا المساواة بين دول وطنية مستقرة ذات سيادة معترف بها دولياً، وبين كيانات مسلحة تخريبية مصنفة "إرهابية"، يمثل المحاولة الأكثر خبثاً لشرعنة التشويه على حساب الأصيل، حيث تُساق الدول الرسمية في النهاية تحت ذات المسمى والمستوى مع الميليشيات في وثيقة دولية واحدة.
المفارقة العبثية: "معضلة الفاتورة" للجار الغني
إذا وصفنا المشهد بحسابات الربح والخسارة الحربية، نجد تضارباً إستراتيجياً عجيباً؛ فبينما كانت "المدخلات" عبارة عن دمار مستعر وتضحيات واستباحة للأرض العربية، جاءت "المخرجات" مكاسب خالصة لطرفي الاتفاق وحدهما؛
حيث نالت إيران رفعاً لعقوبات النفط والمعالملات البنكية، ونالت إدارة ترامب هدوءاً يضمن سلامة إمدادات الطاقة العالمية ومنع الكساد الاقتصادي.
أما الطرف العربي الذي غُيب عن المدخلات والتوقيع، فقد حضر فجأة وبقوة في مخرجات "بند إعادة الإعمار والتنمية" البالغ 300 مليار دولار؛ حيث أُعلن فوراً أن أمريكا لن تدفع دولاراً واحداً من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين،
بل تم توجيه "الدعوة" للصناديق والدول الحليفة في المنطقة (الخليج) لضخ الاستثمارات والتمويل لضمان استقرار الاتفاق!
إنها السياسة في أبشع صورها؛ عندما تفرض على "الجار الحليف الغني والضعيف" أن يسدد فاتورة مرتفعة لعشاء في مطعم راقٍ، لم يكن هو صاحب الدعوة فيه، ولم يكن بين المدعوين، ولم يتناول حتى الشاي بعد ذلك العشاء الدسم الذي أعده بكل شهية الشيف العالمي" العم سام"..
لكن الفاتورة وصلته رغماً عنه عبر رسالة بنكية من واشنطن برجاء التسديد في الموعد المحدد لضمان "السلام الإقليمي".
صياغة العقيدة الأمنية الجديدة وعودة مراكز الثقل
إن هذا الواقع والمخرجات المجحفة لاتفاقية إسلام آباد يجب أن يشكلا دافعاً حتمياً ونقطة تحول للدول العربية مستقبلاً؛
حيث يتطلب الأمر بناء عقيدة أمنية جديدة، وصياغة استراتيجية مغايرة تماماً تضمن حماية الوجود العربي كقوة صلبة مستقلة.
وتتمثل هذه الصياغة الجديدة في العودة الطبيعية والتاريخية لمراكز الثقل العربي الأربعة: (القاهرة - بغداد - الرياض - دمشق) لتتولى زمام المبادرة بدور سياسي جديد تدرك حجم التحديات المحيطة.
إن نجاح هذه الصياغة الاستراتيجية الجديدة مرهونٌ بوعي متبادل بين كافة الأطراف العربية:
أولاً: يجب على الدول ذات الوزن الاقتصادي والمعرفي العالي مثل "الإمارات وقطر" أن تضبط طموحها السياسي الزائد وتكامله مع المجموع، فالتاريخ القريب أثبت أن القوة المالية والدبلوماسية الناعمة، رغم قدرتها على بناء نفوذ مؤقت،
تظل عاجزة عن الصمود أمام القوى الصلبة والجيوش الجرارة ومساومات الدول الكبرى.
ثانياً: وبنفس الوقت، يتوجب أيضاً على القوى التقليدية المتمثلة في العواصم الأربعة (القاهرة وبغداد والرياض ودمشق) أن تتخلى عن إرث "الوصاية"؛ فلا تتعامل مع بقية الدول العربية بمعادلة "الأخ الكبير الوصي على أخيه الأصغر".
وبالمحصلة، فإن الطموحات السياسية والاقتصادية للجميع لن تتعزز وتتحقق بشكل صحيح ومستدام إلا بالتعاون العربي المشترك، وإعادة صياغة آليات هذا التعاون بطريقة عملية تخدم المصلحة العليا للجميع.
- لقد كشفت الأحداث الأخيرة زيف أوهام الحماية المنفردة المستوردة؛ حيث تجلى بوضوح تحوّل الأدوات التقليدية كـ "القواعد العسكرية الغربية في الدول الخليجية، وأنظمة الحماية المتطورة لأجوائها" من كونهما أدوات حماية وردع، إلى أهداف عسكرية مكشوفة وذرائع مباشرة لمهاجمتها من قِبل الخصوم الإقليميين،
الأمر الذي كشف هشاشتها وعجزها عن توفير الأمن لبلدانها وقت الأزمات، ليؤكد أن المال والتكنولوجيا بدون ردع استراتيجي عربي موحد وعقيدة دفاعية شاملة يبقيان مجرد رهينة لابتزاز الكبار ومساوماتهم.
حينها فقط، يمكن للمنطقة العربية أن تبني سقفاً يحميها، وتضمن الجلوس على طاولة المفاوضات بقوة وثقة لرسم ملامح مستقبلها، وتكف عن كونها الطرف المغيب الذي يكتفي بدفع فواتير حروب الآخرين.