كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

أمريكا تؤسس للتقسيم في سورية

كُتب المقال قبل عشر سنوات!
أمريكا تؤسس للتقسيم في سورية
عدنان بدر حلو- باريس (6-6-2016)
يبدو هذه الأيام أن أصدقاء الولايات المتحدة وأتباعها في المنطقة، هم أكثر من خصومها، تعبيرا عن تبرمهم وتململهم من موقفها ودورها في الأحداث السورية خاصة والإقليمية عامة.
فمن قادة المعارضة السورية الذين كانوا يتسابقون على وضع البيض في السلة الأمريكية ويتهافتون على كسب ود السفير روبرت فورد، على المستوى الأدنى، إلى قادة السعودية وتركيا، على المستوى الأعلى، تطالعنا الكتابات والتصريحات "الناقدة" للموقف الأمريكي والمتباكية على تجلياته في التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها المنطقة.
أكثر ما يجمع بين الكتابات والتصريحات التي تستوقفنا في هذا المجال، هو الشكوى من غموض المواقف الأمريكية وترددها، وأحيانا تناقضها تجاه حلفائها وأتباعها وسياساتهم.
فهي المسؤولة عن "الغدر بالثورة السورية" كما ورد مؤخرا في مقالات لبرهان غليون وميشيل كيلو.. وهي الضاربة عرض الحائط بالموقف السعودي الذي يصف الحوثيين بالإرهاب فترد خارجيتها بالقول: كلا هم طرف من أطراف التفاوض في المسألة اليمنية. وهي التي تتهمها تركيا (شريكتها المدللة في حلف الأطلسي) بأنها فضلت تحالفها مع "المسلحين الإرهابيين الأكراد" على شراكتها مع أنقرة!!
حتى من جاءت بهم على ظهر دباباتها إلى العراق وسلمتهم حكم بغداد على طبق من الدم، يشكون من عدم جديتها في دعم معركتهم مع "داعش".
ترى ما الذي يجري؟! وما هو الجوهر الحقيقي للموقف الأمريكي الذي يثير كل هذه البلبلة لدى الأتباع والحلفاء قبل الخصوم؟!
تقديرنا إن الأمر كله يتمحور في هذه المرحلة حول "داعش" ومصير هذا التنظيم الإرهابي ومستقبل المناطق التي يسيطر عليها.
فما لا يفهمه متتبعو الموقف الأمريكي هو: كيف أن هذه القوة الكونية الأولى التي استطاعت، خلال أيام أو أسابيع قليلة، تدمير جيش صدام حسين (وقد أتته من وراء البحار وكانت تعتبره القوة العسكرية الرابعة في العالم) تقف عاجزة، على مدى سنتين من إعلانها الحرب على "داعش"، عن تحقيق إنجازات ملموسة في هذه "الحرب"، رغم ما تعلنه عن عشرات آلاف الغارات الجوية على مواقع هذا التنظيم ومقراته وطرق إمداده ومواصلاته!!!!
الحقيقة هي أن الولايات المتحدة ما تزال تبحث عن القوة التي ستنقل إليها السلطة في المناطق التي يجري "تحريرها" من "داعش"! ويتوفر لديها الكفاءة والولاء من أجل إدارة تلك المناطق والتعامل مع مستقبلها بما يضمن المصلحة الأمريكية العليا ومصلحة المخطط الذي تديره في المنطقة.
من الواضح حتى الآن أن واشنطن قد دعمت – وما تزال تدعم- قوات "الحماية الكردية" باعتبارها قوة أثبتت كفاءة وجدارة في مواجهة "داعش" في مناطق شمال شرق سورية. لكن هذه الكفاءة ليست كافية في حسابات المخطط الأمريكي، فهذه القوة الكردية الكفوءة لا تشكل (لا من حيث العدد ولا من حيث البيئة الحاضنة ولا من حيث المصلحة والطموح الكرديين) الطرف المناسب للدور الذي تتطلع واشنطن لتوكيله بالمهمة المنتظرة. فالكرد السوريون سيكونون محكومين على الدوام بالعلاقة مع الدولة السورية. وقد كتبنا مرارا أنهم "لن يكونوا قادرين على ممارسة حريتهم في مناطقهم إلا بمقدار مشاركتهم في الحكم الديمقراطي في دمشق". وهذا ما لا يتناسب مع الدور الأمريكي في مرحلة ما بعد التخلص من "داعش".
وإذا ما جرى تحرير الرقة والفلوجة حاليا (أي قبل توفر القوة المطلوبة أمريكيا) فإن واشنطن ستكون ملزمة بإعادة هذه المناطق المحررة إلى الدولة الأم بناء على قرارات الأمم المتحدة التي ما تزال تنص صراحة على وحدة أراضي كل من البلدين. في حين أن تسليمها لقوة أخرى غير رسمية يمكن أن يترك للولايات المتحدة هامشا واسعا للمناورة وراء مواقف تلك القوة التي تستطيع أن تماطل إلى ما شاء الله دون إعادة مناطقها للدولة الأم .تماما كما تماطل إسرائيل في موضوع الأراضي المحتلة منذ عام 1967!
وكان ملفتا للنظر أن الطائرات الأمريكية قد أسقطت آلاف المنشورات على مدينة منبج السورية، قبل وصول قوات "سورية الديمقراطية" إليها، تدعو قادة "داعش" وعناصره للانشقاق!! أي لتغيير الولاء، وهو ما تراهن عليه واشنطن في عموم المناطق التي ما تزال تحت سيطرة ذلك التنظيم الإرهابي! وقد كتبنا قبل سنتين أن ما يجري العمل عليه في المناطق "الداعشية" هو السعي لتحقيق انقلاب داخل "الدولة الإسلامية" يبقي على انفصاليتها عن الوطن الأم، ويجري تعديلات على سياساتها المتطرفة!!
فالولايات المتحدة تريد من القوة التي تخلف "داعش" في مناطقها الحالية هو أن تشكل كيانا خاضعا للنفوذ الأمريكي المباشر، فتديره كما تشاء في مقابل القسم الآخر من سورية الذي تعتبره خاضعا لنفوذ معاد لها. سواء كان سوريا مستقلا أم مشوبا بنفوذ لا يستهان به لكل من روسيا وإيران!!
فمثل هذه الإدارة الموالية للولايات المتحدة تضمن:
1 - فرصة للتفاوض مع الروس والإيرنيين حول عشرات الملفات العالقة بينهم، بدعوى إعادة بناء الدولة السورية.
2- الحفاظ على سورية ممزقة ومهددة بالتقسيم.
3- الحفاظ على العراق أيضا أسيرا للحال التقسيمية التي رسمها الغزو الأمريكي وحافظ عليها حتى الآن، وهو يستغل "المعركة مع داعش" لإعادة تجذير وجوده العسكري المباشر وتوسيعه بالإضافة لوجوده السياسي في كثير من المناطق والشؤون العراقية.
4- إبقاء الجغرافيا "الداعشية" الحالية نوعا من الكيان الغريب الذي يفصل بين دمشق وبغداد. ويكسر ما يعرف ب"الهلال الشيعي" الممتد من طهران إلى المتوسط.
5- إبقاء الوضع العربي برمته أسيرا لما نجم عن "حروب بلاد الشام" من تفسخ لا يخدم سوى المصلحة الإسرائيلية، واستغلال هذا الوضع لاستكمال فرض تسوية للصراع مع إسرائيل بشروط متناسبة مع هذا الخلل المريع في موازين القوى لصالح الأطماع والمشاريع الإسرائيلية- الأمريكية. بما يضمن سيطرة شبه أبدبة على هذه المنطقة وثرواتها.
وليس من قبيل المصادفة على الإطلاق أن يفيق "العالم" الآن على الحاجة لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، وتتوالد المبادرات الدولية والإقليمية الجديدة في هذا المجال!