كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الثقافة والفكر التكفيري

مروان حبش

شهد العالم الإسلامي، منذ نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، موجة أطلق عليها "الصحوة الدينية" التي ترافقت مع تزايد أعداد المتدينين، ومنهم أفرادٌ دخلوا حيز الالتزام الديني بعد حياة علمانية أو غير ملتزمة نسبيًا. ورغم ما تحمله هذه العودة إلى الدين من دلالات، فإنها في كثير من الحالات قد رافقتها ضحالة ثقافية واضحة، وقصور في فهم النصوص، واستسهال إصدار الأحكام. وقد شكّل هذا الواقع بيئة خصبة لنمو الفكر التكفيري، وتضخم خطاب العنف والقصاء، بدلًا من ترسيخ روح الحوار والاجتهاد والتسامح.
إن التدين عند هؤلاء المتدينين، قد يكون نابعًا من صحوة روحية شخصية، أو نتيجة تأثر ببيئة اجتماعية، أو رغبة في البحث عن معنى وسط عالم متغير. وبعضهم انتقل من نمط حياة يغلب عليه البعد عن الدين إلى نمط يتسم بمظاهر التدين – من ممارسات تعبدية، أو مظاهر خارجية كاللباس – دون أن يرافق هذا الانتقال دراسة معمقة أو تدرج علمي حقيقي في فهم الدين. وغالبًا ما يتلقون معارفهم الدينية من مصادر سطحية، كوسائل التواصل الاجتماعي أو الخطب المتلفزة أو الدعاة الشعبيين، دون الرجوع إلى علماء الدين المتخصصين أو القراءة المتعمقة في التراث الإسلامي.
ينهل عددٌ لا يستهان به من المتدينين معرفتهم من مقاطع الفيديو القصيرة، أو المنشورات التحفيزية، أو خطب حماسية على المنابر، دون فحص المحتوى أو التحقق من صحته. ونتيجة لذلك، يغيب عنهم الفقه المقاصدي، والسياق التاريخي للنصوص، وتفاصيل علمية دقيقة تميز العالم المتخصص عن الواعظ العامي.
ركز بعض المتدينين على المظهر الخارجي كالدعوة إلى النقاب، أو إطلاق اللحى، أو الإكثار من ذكر العقوبات والنار، دون الاهتمام بأخلاقيات الدين، كالعدل، الرحمة، وإصلاح النفس والمجتمع. وهؤلاء يتلقون مفاهيم متفرقة، دون منهج علمي متدرج، فلا يبدؤون بفقه العبادات أو التفسير أو السيرة، بل يقفزون مباشرة إلى مسائل عقدية حساسة كـ "الولاء والبراء"، أو "الحاكمية"، أو "الجهاد"، مما يسهل انزلاقهم إلى التطرف. ويأتي التدين عندهم في بعض الحالات كرد فعل على فشل أنظمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وبدلًا من أن يكون تدينًا معرفيًا، يصبح تدينًا احتجاجيًا، يستبطن مشاعر الغضب، والرغبة في الانتقام، مما يُنتج نمطًا صداميًا في العلاقة مع الآخر.
إن أخطر ما في الضحالة الثقافية أنها تخلق وعيًا دينيًا مشوهًا، سهل الانقياد نحو الفكر التكفيري. فالفرد الذي لم يتشبع بمقاصد الشريعة، ولا بتاريخ الفقه، ولا بتعقيدات الواقع، يُصبح فريسة سهلة للشعارات الصارخة التي تدّعي "الفرقة الناجية"، و"الطريق الصحيح"، ويُغذَّى بعقلية ثنائية ترى العالم بمنظور "مؤمن/كافر"، "تقي/ضال".
يكون من سمات الخطاب التكفيري الناجم عن الضحالة الثقافية، تبسيط الدين بشكل مخل يُختزل في طقوس شكلية أو نصوص مقتطعة من سياقها، تُوظّف لإثبات أن الآخر ضال أو كافر أو مرتد. وكذلك تقديس الحرف وإهمال المقاصد إذ يتعامل التكفيري مع النصوص بطريقة جامدة، دون فهم مقاصد الشريعة أو تغيّر الزمان والمكان، وهو ما يؤدي إلى تطبيق أحكام كانت مناسبة لسياق معين على واقع مختلف كليًا. وأيضاً ازدراء العلماء والتقليل من الاجتهاد حيث يرفض هذا الخطاب المدارس الفقهية التقليدية، ويرى أن علماء الدين "موالون للطغاة"، ويُروّج لفكرة أن "العودة إلى الكتاب والسنة" لا تحتاج إلى أدوات علمية معقدة، مما يجعل كل فرد يظن نفسه قادرًا على إصدار الفتوى. ومن سمات هذا الخطاب شيطنة الآخر فلا يتوقف التكفير عند غير المسلمين فقط، بل يمتد ليشمل مخالفيهم من المسلمين أنفسهم، من المذاهب الأخرى، أو حتى من داخل نفس التيار، في دائرة متسعة من "الاستعداء الديني".
ينتج عن هذا الفكر آثاراً اجتماعية وفكرية منها:
-تفتيت المجتمع على أسس دينية ضيقة، مما يُضعف نسيج التعايش، ويغذي النزاعات الطائفية والمذهبية.
-إنتاج العنف، إذ في كثير من الحالات، يكون التكفير بداية الانحدار إلى الإرهاب الفكري أو حتى المسلح، باعتباره الخطوة الأولى لتبرير استباحة الدماء
-إضعاف صورة الدين، يؤدي ارتباط الخطاب الديني بالعنف والإقصاء إلى نفور الناس من الدين، واتهامه بأنه أداة تخلف وعداء، مما يفتح الباب أمام موجات الإلحاد أو الانحراف.
تكون مواجهة هذه الظاهرة، بنشر الوعي الديني الرصين من خلال دعم المؤسسات العلمية، والمناهج الدينية التي تُعنى بالتأصيل والتدرج والفهم العميق للدين. وبالرقابة على الخطاب الدعوي وضبط الخطاب الديني في المساجد والمنابر والإعلام، بحيث لا يُترك المجال لكل من هبّ ودبّ أن يتكلم باسم الدين. وبتشجيع القراءة النقدية بتعليم هؤلاء المتدينين كيف يطرحون الأسئلة، ويقرؤون التاريخ، ويفهمون النصوص في ضوء مقاصدها. وبالتأكيد على أخلاقيات الدين مثل الرحمة، والصدق، والعدل، والتسامح، باعتبارها أركان التدين، لا مظاهر العنف والانغلاق.
إن التوظيف الخاطئ للدين، أو تبني خطابات سطحية أو شعارات فارغة قد يسبب رد فعل عكسي، وينفّر البعض من الدين بدلًا من جذبهم إليه. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا التدين إلى وعي ديني عميق ومستقر، يتجاوز المظاهر نحو جوهر الإيمان والعمل الصالح.
إن الضحالة الثقافية عند بعض المتدينين ليست مجرد ظاهرة فردية، بل خطر فكري يمس البنية الدينية والاجتماعية للأمة. وإن تحويل التدين إلى مظهر سطحي دون عمق علمي، أو استيعاب لمقاصد الشرع، هو ما يفتح الطريق نحو الفكر التكفيري الذي شوّه صورة الدين وأهدر أرواح الأبرياء. ومهمة التصحيح تقع على عاتق الجميع: علماء الدين، والمربين، والمفكرين، والدول، في صناعة وعي ديني مستنير، يعيد للدين دوره الحضاري، لا دوره القتالي.