كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الدولة ومراكز القوى: نحو بناء الدولة الواحدة ذات القرار الواحد

مروان حبش

الدولة ليست مجرد حدود جغرافية أو سلطة تنفيذية تتربع على كرسي الحكم. الدولة هي كيان قانوني واجتماعي يُنظّم حياة الأفراد داخل مجتمع معين على أساس من السيادة والشرعية والنظام العام، وهي كيان سياسي يتكون من مجموعة من المؤسسات والهيئات التي تمارس السيادة على إقليم معين، وتقوم بتوفير النظام والأمن والخدمات لأفراد المجتمع. الدولة، بهذا المعنى، تمثل الإرادة العامة وتُشكّل الإطارالناظم الذي يحتضن الحقوق والواجبات، ويضمن العدالة، ويُحقق الأمن، ويُصيغ السياسات التي توجه حاضر المجتمع ومستقبله.
تعتبر الدولة ضرورية لتحقيق الاستقرار والأمن في المجتمع. فهي توفر إطارًا قانونيًا ينظم العلاقات بين الأفراد، ويحدد حقوقهم وواجباتهم. كما تساهم في حماية حقوق المواطنين وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. من دون وجود دولة فعالة، يمكن أن تسود الفوضى ويعاني الأفراد من انتهاكات حقوقهم.
إن الحاجة إلى الدولة نابعة من ضرورة وجود سلطة مركزية تحتكر اتخاذ القرار السيادي باسم الشعب وضمن إطار الدستور والقانون، وتنظم شؤون الحياة في مختلف المجالات، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن التعليم إلى العدالة، ومن العلاقات الخارجية إلى حماية الهوية الوطنية. وبدون الدولة تنهار فكرة العقد الاجتماعي، وتُستبدل سيادة القانون بشريعة الغاب، وتطفو على السطح نزعات العصبيات والانقسامات، وتضيع بوصلة الاستقرار.
من أبرز المعضلات التي تُهدد وجود الدولة وفاعليتها هي تعدد مراكز القوى واتخاذ القرار، وازدواجية السلطة، خارجة عن المؤسسات الرسمية المخولة وفق الدستور والقوانين النافذة. في مثل هذا السياق، تتحول الدولة إلى كيان هش، تتنازع فيه القوى المتعددة على النفوذ، وتنشأ مناطق ظل تتحكم بها مصالح قوى عسكرية أو فئوية أو طائفية، بما يتجاوز صلاحيات السلطات الشرعية.
إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الدولة هو تجاوز الأنظمة والقوانين من قبل قوى الأمر الواقع، سواء كانت جماعات مسلحة أو زعامات طائفية أو مراكز نفوذ اقتصادي وسياسي. هذا التجاوز لا يُضعف الدولة فقط، بل يضرب في الصميم مبدأ السيادة ويُقوّض ثقة المواطن بمؤسساته، ويفتح المجال أمام الفوضى والفساد والانقسام.
تعتبر ازدواجية السلطة وتعدد مراكز اتخاذ القرار من التحديات الكبرى التي تواجه الدول. فعندما تتوزع السلطة بين عدة جهات غير مخولة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ضعف الدولة وزيادة الفوضى وعدم الاستقرار. وتؤدي الصراعات بين المراكز المختلفة إلى عدم القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، مما يؤثر سلبًا على حياة المواطنين.
إن بناء دولة قوية ومستقرة وعادلة، يتطلب اعتماد مجموعة من الأسس الصلبة، نذكر منها:
-وحدة السلطة ومرجعية القرار، لا يمكن أن تُبنى دولة على قاعدة التعدد غير المنظّم للسلطات. وحدة السلطة تعني أن القرار السيادي يصدر عن جهة واحدة، مخولة دستورياً وممثلة للشعب، سواء كانت السلطة التنفيذية أو التشريعية أو القضائية، ضمن توازنٍ دقيقٍ بين الصلاحيات. مما يساعد في تجنب النزاعات والصراعات بين مختلف الجهات. ويجب أن تكون هناك آلية واضحة لإصدار القرارات من قبل الجهات المخولة بذلك وفقًا للدستور والقوانين المعمول بها.
-عدم وجود مراكز قوى خارج المؤسسات الرسمية، كل كيان أو جهة تمارس نفوذاً أو سلطة دون تفويض قانوني تُعتبر تهديداً لهيبة الدولة. فمراكز القوى، سواء كانت داخل المؤسسات أو خارجها، إذا لم تخضع للمحاسبة والمؤسسات الدستورية، فإنها تعيق سير الدولة وتُعطّل الاستقرار والتنمية. لهذا يجب أن تكون جميع السلطات تحت رقابة القانون والدستور، مما يمنع ظهور مراكز قوى قد تهدد استقرار الدولة.
-احتكار الدولة للسلاح، من المبادئ الجوهرية لأي دولة أن تحتكر استخدام القوة، عبر الجيش وقوى الأمن النظامية. لا يمكن القبول بوجود سلاح خارج إطار الدولة، سواء تحت أي تسمية كانت"المقاومة، الحماية الذاتية، فصائل ثورية أو غيرها من التبريرات". الدولة التي لا تحتكر السلاح هي دولة في مهب الفوضى، ومواطنيها عرضة للاقتتال الأهلي والانهيار العام.
-الجيش الوطني الموحد، جيش الدولة يجب أن يكون ممثلاً لجميع مكونات الشعب، بعيداً عن التسييس أو الطائفية أو الولاءات الشخصية. وظيفته حماية البلاد والدستور، لا خدمة مصالح فئة دون أخرى، أو الدفاع عن أنظمة بعينها. وحدة الجيش ضمانة لوحدة الوطن، وانقسامه بداية انهياره.
-سيادة القانون وتطبيقه على الجميع، لا دولة دون قانون، ولا قانون دون تطبيق. القانون يجب أن يكون فوق الجميع، وأن يُطبق بعدالة لا تمييز فيها ولا استثناء. انتهاك القانون أو الالتفاف عليه باسم السلطة أو النفوذ أو الولاء يؤدي إلى تفشي الفساد وفقدان الثقة.
-تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، الدولة القوية هي تلك التي تُوفّر فرصاً متكافئة لكل أبنائها، في التعليم والعمل والمشاركة السياسية والخدمة العامة. لا تمييز على أساس الدين أو العرق أو الانتماء المناطقي أو الطبقي. المواطنون جميعاً سواسية في الحقوق والواجبات.
- الكفاءة لا الموالاة في تولي المناصب، إن المعيار الأساسي لتولي المناصب العامة في الدول الحديثة، هو الكفاءة والنزاهة والجدارة، لا الولاء السياسي أو الانتماء العشائري أو الديني. كما أن المحاصصة تُنتج إدارات عاجزة ومؤسسات مترهلة، بينما الجدارة تخلق مؤسسات فاعلة ومجتمعاً منتجاً. مما يعزز من الشعور بالعدالة والمساواة.
-العدالة الاجتماعية: من خلال توزيع عادل للثروات، وضمان الحقوق الاقتصادية والإنسانية للفئات المهمشة.
-الشفافية والمحاسبة: محاسبة الفاسدين ومراقبة أداء المؤسسات جزء من حماية المال العام وتعزيز الثقة.
-الهوية الوطنية الجامعة: تجاوز الهويات الفرعية نحو هوية وطنية موحدة تعزز الانتماء للدولة.
-المشاركة السياسية: تمكين الشعب من التعبير عن رأيه والمشاركة في صناعة القرار من خلال انتخابات نزيهة وحريات مصونة.
-إعلام حر ومسؤول: يراقب، ينقد، ويوجه الرأي العام ضمن إطار وطني جامع.
-المشاركة الشعبية: يجب أن تُشجع الدولة على مشاركة المواطنين في صنع القرار، مما يعزز من شرعية الحكومة ويعكس احتياجات المجتمع.
-احترام حقوق الإنسان: يجب أن تكون حقوق الإنسان جزءًا أساسيًا من سياسات الدولة، مما يعزز من الثقة بين الحكومة والمواطنين.
لا يمكن أن تُبنى دولة حديثة ومستقرة في ظل ازدواجية السلطة وتعدد مراكز القرار، ووجود السلاح خارج إطار الدولة، أو تغييب مبدأ الكفاءة لصالح الولاء. الدولة ليست مجرد سلطة تُمارس بالقوة، بل مشروع جامع، يقوم على العقد الاجتماعي، ويحميه القانون، ويمثّله الجميع.
وغير دولة القانون والمؤسسات والمواطنة المتساوية، تكون دولة غابة، تحكمها المصالح والسلاح والانقسامات.