كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سوريا وقرار ترمب رفع العقوبات

مروان حبش

ترامب ليس من تلاميذ كيسنجر، وهذا من تلاميذ مترنيخ صاحب نظرية ""توازن القوى" ومهندس ما يعرف بـ "كونسرت أوربا" الذي حفظ الاستقرار في القارة القديمة حتى نهاية القرن التاسع عشر. بينما ترامب من مدرسة دبلوماسية القوى الكبرى "سياسة الافتراس" كما سماها الوزير الفرنسي دوفيليان، وهي وسيلة لربح الوقت. كما يمارس سياسة تطويع الأزمات، وهذا ما فعله تمهيداً لزيارته للسعودية والأمارات وقطر، ويسير على طريق معروفة بدايتها ونهايتها، وينظر إلى المنطقة بعيون اسرائيلية، فضلاً عن المصالح الأمريكية.
تعود جذور العقوبات الأمريكية على سوريا إلى عقود مضت، حيث تم فرضها في البداية بسبب دعم الحكومة السورية للإرهاب وارتباطها بمجموعات معادية للولايات المتحدة. ومع اندلاع الانتفاضة في سوريا في عام 2011، تم توسيع نطاق هذه العقوبات لتشمل قيودًا اقتصادية صارمة تهدف إلى الضغط على النظام السوري للتخلي عن ممارساته القمعية.
ولأنه لا ثابت في السياسة فإن الحديث الذي كان بالأمس مستبعدًا -حتى الاستحالة- عن استئناف العلاقات بين دمشق وواشنطن، كما جاء على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، قبل وقت ليس بالطويل، بات اليوم مسموحًا به ومطروحا على طاولة الاحتمالات وبقوة.
في سياق التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، برزت مسألة العقوبات المفروضة على سوريا كأحد القضايا الحساسة التي تتطلب اهتمامًا خاصًا. وفي تحولٍ مفاجئ في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته لبعض دول الخليج العربي، ومن السعودية وبناء على طلب ولي العهد محمد بن سلمان، عن رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، وبعد ذلك التقى بشكل غير رسمي في الرياض بالرئيس السوري أحمد الشرع بحضور محمد بن سلمان، ومشاركة أردوغان هاتفياً. هذا القرار أثار جدلاً واسعًا، حيث أشاد به البعض كخطوة نحو إعادة إعمار سوريا، بينما أعرب آخرون عن قلقهم من التداعيات المحتملة، والثمن الذي يتعين على سورية دفعه مقابل هذا ذلك.
لكن مثل هذه الخطوة لا شك وأنها لن تكون مجانية، فمثل ترامب لا يمكن أن يمنح هدايا دون ثمن، وهو ما يدفع للتساؤل عن المقابل الذي يمكن أن تقدمه سوريا الجديدة نظير تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، والذي يعني عمليًا إنهاء العزلة السورية رسميًا وإدماج الدولة الجديدة في المجتمع الإقليمي والدولي.
يبدو أن هناك عدة شروط وضعتها الإدارة الأمريكية على الحكومة السورية مقابل رفع العقوبات، ومنها:
- وقف جميع الأعمال العسكرية ضد المدنيين والمجموعات المعارضة.
- السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة من النزاع، والتعاون مع المنظمات الدولية لتسهيل عمليات الإغاثة.
-الانخراط في عملية سياسية شاملة تشمل جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المعارضة السورية، للوصول إلى حل سلمي للنزاع.
- الالتزام باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والتوقف عن اعتقال المعارضين.
في لقاء تلفزيوني بعد اجتماع ترامب بالشرع الذي اتى في ظل ظروف انسانية متفاقمة وسوريا بحاجة ماسة لتحسن الأمور الإنسانية والأمنية، أشار الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية إلى أن رفع العقوبات عن سوريا لن يكون مجانيًا. حيث يتطلب الأمر من الحكومة السورية اتخاذ خطوات ملموسة نحو تحقيق السلام والاستقرار في البلاد. كما أكد أن الولايات المتحدة لن تتردد في إعادة فرض العقوبات إذا لم تلتزم الحكومة السورية بتعهداتها. وأن رفع العقوبات سيكون تدريجياً وسيخضع لإجراءات قانونية وادارية كثيرة قبل ان نرى اي تأثير على ارض الواقع، وأن قسماً من العقوبات بحاجة الى موافقة الكونغرس لرفعها (قانون قيصر).
إن المطلوب من الرئيس الشرع، وفق ما قاله الناطق، هو: تشكيل حكومة سورية جديدة تمثل كل السوريين بغض النظر عن الدين والعرق. حكومة تتصرف بطريقة مسؤولة لا تشكل أي خطر لجيرانها، حكومة قادرة على ممارسة السيطرة على كل الأراضي السورية من اجل الأمن والاستقرار وهذا يأتي من خلال التخلص من كل المقاتلين الأجانب الذين يؤججون مزيداً من العنف او الطائفية.
وأضاف: أمامنا خطوات عديدة قبل أن نصل إلى التطبيع مع حكومة الشرع، وسيتم تقييم الحكومة ليس على كلامها ولكن على افعالها.
وفي سياق مقابل فإن المطلوب من النظام السوري الجديد لإعادة بناء العلاقات الدبلوماسية مع أمريكا، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الإدارة الأمريكية قدمت خطة جديدة تتضمن شروطًا صارمة من بينها اتخاذ خطوات ضد الجماعات المتطرفة، والتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتأمين المواد النووية، بالإضافة إلى طرد المسلحين الفلسطينيين الذين ينشطون داخل البلاد.
أما صحيفة “تليجراف” في تقرير لها أشارت إلى مطالب خمسة طلبها ترامب من الرئيس السوري نظير تطبيع العلاقات بين البلدين، كانت كالتالي: الاعتراف باسرائيل والدخول ضمن اتفاقات “أبراهام” ومغادرة كافة العناصر المسلحة المنضوية تحت ألوية الفصائل المصنفة إرهابية من الأراضي السورية، وترحيل عناصر المقاومة الفلسطينية المتواجدة في سوريا بجانب العمل على منع عناصر تنظيم "داعش" من العودة لسوريا مرة أخرى، علاوة على تحمل المسؤولية عن مراكز اعتقال عناصر التنظيم في شمال شرق البلاد.
وكشفت صحيفة "واشنطن بوست" عن قائمة شروط من ثمانية بنود قدمتها واشنطن إلى الحكومة السورية، من أجل النظر في تخفيف العقوبات المفروضة على دمشق واستئناف العلاقات بين البلدين، منها السماح للحكومة الأمريكية بتنفيذ عمليات "مكافحة الإرهاب" على الأراضي السورية، ضد أي شخص تعده واشنطن تهديدا للأمن القومي.
إن التصريحات البناءة الصادرة عن الرئيس الأمريكي، ومن قبلها تكثيف الجهود الدبلوماسية المبذولة من بعض القوى الإقليمية في مقدمتها السعودية وقطر وتركيا لإدماج دمشق في المشهد الإقليمي والدولي، كلها مؤشرات تذهب باتجاه التساؤل حول مستقبل تطبيع العلاقات الأمريكية السورية.
يُعد رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا خطوة كبيرة نحو إعادة إدماجها في المجتمع الدولي، لكنه يأتي مع مجموعة من الشروط والتحديات التي قد تؤثر على مستقبل البلاد. بينما تسعى الحكومة السورية إلى إعادة بناء البلاد وجذب الاستثمارات، ستظل مراقبة تنفيذ الشروط الأمريكية عاملاً حاسمًا في تحديد مدى نجاح هذه الخطوة.
إذا ما استجابت الحكومة السورية لهذه الشروط، فقد يؤدي ذلك إلى تحسين الوضع الاقتصادي في البلاد، حيث يمكن أن تعود الاستثمارات الأجنبية وتستعيد سوريا جزءًا من مكانتها الاقتصادية في المنطقة. لكن في المقابل، إذا فشلت الحكومة في تنفيذ هذه الشروط، فإن رفع العقوبات قد يكون مجرد خطوة شكلية دون تأثير حقيقي.
إن قرار رفع العقوبات عن سوريا ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو خطوة معقدة تتطلب تحقيق العديد من الشروط السياسية والإنسانية. وفي ظل الظروف الحالية، يبقى السؤال الأهم هو: ماذا عن مصير الجولان المحتل الذي اعترف ترمب خلال ولايته الأولى بضمه لإسرائيل؟ وهل ستكون الحكومة السورية مستعدة لدفع الثمن المطلوب لتحقيق السلام والاستقرار؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد مستقبل العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة، وكذلك مصير الشعب السوري الذي عانى طويلاً من تداعيات الحرب والعقوبات.
رغم الترحيب بالقرار في دمشق، تواجه الحكومة السورية تحديات داخلية كبيرة، بما في ذلك عدم الثقة بين نظام الحكم من ناحية، وبعض الفئات الاجتماعية والسياسية. لذا، فإن أي خطوة للاستفادة من رفع العقوبات قد تتطلب جهودًا كبيرة لبناء الثقة وتحقيق السلم الأهلي. كما أن هناك مخاوفاً من شروط رفع العقوبات بتنفيذ مطالب سياسية قد تكون صعبة التحقيق. في حين أعربت إسرائيل عن قلقها من أن يؤدي هذا القرار إلى تقويض نفوذها في المنطقة، خاصةً مع احتمال تطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل.