موتمر الحوار الوطني السوري الآمال والتطلعات
نزار بعريني
يتطلّع السوريون بكثير من الأمل إلى المشاركة الفاعلة في جهود الحوار الوطني الذي تعتزم الإدارة الجديدة إطلاق مؤتمره الشامل والموسّع في دمشق، وقد أعطى قرار تأجيل انعقاده من مطلع ديسمبر، كما كان متوقّعا إلى منتصف فبراير القادم، مؤشّرات إضافية على حرص المسؤولين على الوصول إلى أفضل صيغ الحوكمة الممكنة.
ضرورة مسار الحوار الوطني، ومؤتمره السوري العام، تأتي من كونه المرحلة الثانية الأكثر أهميّة في عملية التحوّل السياسي بعد مرحلة إسقاط سلطة الديكتاتور الأسدية، وتتجسّد في حقيقة أنّ نجاح جهود تحقيق أهدافه بمشاركة جميع السوريين لا يحمي سوريا من التقسيم ومن الحرب الأهلية والمزيد من التدخّل الخارجي فحسب، بل ويؤسس لمقوّمات بناء الدولة السورية الوطنية الحديثة.
إذ يشكّل مؤتمر الحوار الوطني عمليا المرحلة التأسيسية لهيئات ومؤسسات الحكم التنفيذية والتشريعية في المرحلة الانتقالية والدائمة، أحاول في هذا المقال رسم تصوراتنا لطبيعة المهام السياسية والتشريعية والاقتصادية التي من المتوقّع أن يناقشها المؤتمر الوطني السوري العام المزمع عقده في أوسط شباط القادم.
١-على الصعيد السياسي.
أعتقد انّ النتيجة الرئيسية التي ستنبثق عن المؤتمر هي تشكيل حكومة "وحدة وطنية" انتقالية، واسعة التمثيل السياسي الشعبي والوطني، وتحظى بغطاء ودعم إقليمي ودولي!
أن تسعى القيادة إلى قيام حوار ومشاركة شاملة بين السوريين، يجمّع مختلف الأطراف في الداخل السوري والخارج حول مصالح السوريين المشتركة، هو علامة واضحة الدلالة على أنّهم يسعون إلى تشكيل حكومة وطنية، تستند على مشروعية وقاعدة شعبية واسعة، وبما يشجّع القوى الدولية على دعم مسارات المرحلة الانتقالية،(١) رغم عدم توافقها مع خطوات وإجراءات القرار الأممي ٢٢٥٤ (الذي لم يكن في سياسات ومصالح القوى التي دبّجت بنوده داخل "مجموعة العمل الدولية لدعم سوريا (١٤+ إيران)، وتوافقت عليه في ديسمبر ٢٠١٥، سوى يافطة!)
يبدو لي أنّ تلك القوى الدولية ذاتها باتت مقتنعة أنّ المؤتمر هو مسألة سورية داخلية، ويرتبط بالحاجة لقيام حوار وطني شامل، وتوافقات بين السوريين، في إطار مسعى الإدارة الانتقالية لأن تستمد الحكومة المقبلة شرعيتها الدستورية من قاعدة شعبية واسعة، قدر الإمكان، وأنّ الولايات المتّحدة بشكل خاص تدعم هذا الجهد، وقد نصل إلى نقطة يصبح عندها من المفيد أن تُعلن الأمم المتحدة دعمها الصريح لجهود الإدارة الانتقالية بشكل خاص، والسوريين عموما، على تحقيق ما يصبون إليه من تشكيل حكومة واسعة تشمل جميع الشرائح الاجتماعية في سوريا، وتشكّل عمليا "هيئة حكم انتقالية".
بناء عليه، من المتوقّع أن يشهد المؤتمر الإعلان عن حل مجلس الشعب، وجميع الفصائل المسلحة، وفي مقدمتها "هيئة تحرير الشام" التي يقودها السيد أحمد الشرع والتي أطاحت بسلطة الأسد، وأعلنت انضواءها تحت مظلّة وزارة الدفاع؛ إضافة بالطبع إلى آليات ضم قسد و"فصائل الجنوب – السويداء ودرعا)، وإعادة هيكلتها في أطر وزارة الدفاع السورية.
٢- على الصعيد التشريعي/ السياسي
إذا أخذنا بعين الأعتبار ما أكّد عليه رئيس الإدارة الانتقالية لتلفزيون "العربي"، السيد أحمد الشرع، موضّحا أبرز سمات المرحلة الانتقالية، نتوقّع تشكيل لجنة خاصة لصياغة "إعلان دستوري- دستور مؤقّت"، خاص بالمرحلة الانتقالية، وإقراره، بعد حل البرلمان، وسيقوم بدور الرقابة على أعمال الحكومة؛ وقد يكون نتيجة لتعديل أحد الدساتير السابقة.
علاوة على ذلك، ستكون هناك لجنة خاصة بصياغة دستور دائم، "يصلح لأطول مدة ممكنة"!
"... نحتاج إلى صياغة دستور، أو حل الدستور السابق، صياغة دستور جديد، أو تعديلات دستورية" فصياغة الدستور يجب أن لا يكون وجبات سريعة... يجب أن يُصاغ بعناية شديدة، وعليه رقابة، وينبغي أن يُستشار به خبراء قانونيين وشرعيين دوليين بحيث يكون دستور يصلح لأطول مدة ممكنة.
هذا مفرق تاريخي. الدستور يجب أن يكون ناظما لحياة المجتمع، بحيث لا تتكرر نفس التجربة السابقة، وتذهب سوريا إلى ما ذهبت إليه خلال الستون عام الماضية...".
ربّما من باب التفاؤل الحذر، قد نتوقّع تشكيل "هيئة استشارية"، تُمنح الصفة الشرعية أو التشريعية لاختيار رئيس مؤقّت للبلاد من كافة الأطياف، دون توضيح كيفيّة اختيار هذا الرئيس المؤقّت، وكم هي المدّة التي سيشغل فيها هذا المنصب!
بكل الأحوال، لن يكون من مهمّة هذا المؤتمر تحديد موعد للانتخابات العامة، البرلمانية والرئاسية، بعد تصريح السيد الشرع، الذي أشار فيه إلى أنّ إجراء الانتخابات قد يستغرق أربع سنوات، لأسباب تتعلّق بمشاكل داخلية، كعدم وجود تعدادا حقيقيا للسكان، في ظل ملايين المهجّرين والنازحين.
مما جاء في مقابلة السيد الشرع:
والانتخابات العامة.. الرئاسية؟
وهذا أمر آخر. البنية العامة التحتية للانتخابات متعذّرة جدا، بحاجة إلى بناء من جديد.
وعن طبيعة هذا الدستور الدائم الموعود، يقول السيد وزير العدل شادي لويسي:
".. نحن ننتظر الآن المؤتمر السوري العام الذي سيصدر عنه نتائج مهمّة جدا على مستوى التشريع القادم، وآليات عمل الدولة، والنظم التي تحكم الدولة.
ستأخذ لجنة إعداد الدستور القادم ما كان يصبوا إليه الشعب السوري. دستور يشمل جميع السوريين بعنايته، دون أن يكون هناك مواد، تفرض على الشعب السوري ما يخالف تطلّعاته وتوجّهاته القادمة".
ثالثا،
على الصعيد الاقتصادي.
لابدّ أن تأخذ اللجان الخاصة بوضع القاعدة التشريعية للاقتصاد السوري الجديد بعض الملامح التي بدأت تتبلور خلال الأسابيع القليلة الماضية، وقد تشكّل بعض سمات "النهج الاقتصادي الرأسمالي" الذي تعتزم الإدارة الجديدة تبنيه، ويأخذ طابع الاقتصاد الحر:
تنظيم وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وسياسات مالية ونقدية خاصة، ترتبط بدعم الدولة للقطاعات الرئيسية المرتبطة بالبنى التحتية، وتتوافق مع سياسات ربط الأجور بالأسعار، وسلّم الصادرات بآليات ضرائب مرنة، وتراعي حاجة السوق الاستهلاكية، إضافة إلى إعادة البنية القانونية الناظمة لمشاريع إعادة الإعمار. (٢)
"... هناك الكثير من الخراب في هذه الدولة التي حكمها النظام لأكثر من خمسين عاما، وخلّف دمار كثير من الهدم والدمار. هناك انقسام مجتمعي وتهديم للبنية التحتية، تعليمية وبنية اقتصادية ومنشئات وزراعة إلخ.. وهناك نحن بحاجة إلى قوانين ناظمة... تنظم العمل بما يتناسب مع تطلعات الشعب السوري في أن يكون بلد متقدم ومتطوّر".
"السيد أحمد الشرع"- المصدر السابق.
(١)-
أعلن وزير الخارجية السوري، السيد أحمد الشيباني، عن تريّث حكومته "بالمؤتمر الوطني لكي يتثنى تشكيل لجنة تحضيرية موسّعة، تستوعب التمثيل الشامل لسوريا، من كافة الشرائح والمحافظات، والتي ستكون الحجر الأساس في بناء الهوية السياسية لسوريا المستقبل".
قيد يكون الدافع الرئيسي "للتريّث" هو ما تناقلته بعض المصادر عن وصول الحوار بين السيد أحمد الشرع وقائد "قوّات سوريا الديمقراطية" السيد مظلوم عبدي، برعاية أمريكية / تركية إلى صفقة شاملة، تُتيح استيعاب أفراد وعناصر "قسد" في تشكيلات وزارة الدفاع الجديدة، وتسمح للقيادات السياسية في قسد ومسد المشاركة الفاعلة في لجان المؤتمر الوطني السوري، يمكنا لنا أن نتوقّع حصول تغيّرات مهمّة في آليات عمله و طبيعة مخرجاته، بما يعزز عوامل توحيد سوريا، ودمقرطة نظامها السياسي.
(٢)-
ما جاء في خطاب وزير الاقتصاد السوري السابق في لقاء حشد من رجال الأعمال السوريين في الإمارات العربية المتحدة، يُعطي مؤشّرات سياسية وقانونية واقتصادية بالغة الاهمية، يمكن أن تشكّل "خارطة طريق" شاملة لسير المؤتمر:
" خلال زيارتي في دمشق، سأعرض حزمة من المشاريع التي تساعد على تلمّس كيفية التخطيط، ووضع الرؤية... وتلمس الطريق......
التحرر التنموي السوري الذي هو أساس العقد الاجتماعي القادم... حتى لو وضعنا مليون نموذج رياضي للاقتصاد، إذا ما فيه عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وما بين المحرومين فيما بينهم، عن أي سوريا نتحدّث!؟
...لذلك يهمّنا أن نساهم في تطوير هذا العقد الاجتماعي..
"ربما ما نحن فيه اليوم فرصة، رغم ما يبدو الوضع قاتما، لكن ربما تكون فرصة، لأنّه من دون الحريات الأساسية والحقوق الأساسية، والمؤسسات الشفافة، التي يُسائلها المواطن، ومن دون أن يسألها أين أنفقت أموالي، من دون إدارة حكومية تعرف أنّها تعمل لصالح المواطن، وفي خدمة المواطن، وليس المواطن موجود ليبرر وجود الإدارة العامة. من دون هذا الأمر، لن نحقق شيء. النقطة الأولى في الإصلاح التي احملها معي إلى دمشق، هي إصلاح الحوكمة.. المؤسسات... القوانين... التشريعات. العقول. العقلية التي تُدير البلاد.
هناك فرصة عندما نسمع اولي الأمر اليوم يتحدّثون عن اقتصاد تنافسي حر. هي فرصة، يجب أن نغتنمها لأنه إذا استطعنا أن نرسّخ عهدا من الاستقرار والحريات ومساءلة السلطات من قبل الشعب، نحن قادرون على مواجهة هذا التحدّي، وتجاوزه.".