سقوط العلوية السياسية في سورية.. هل ننجو من مفاهيم الاجتثاث والطائفية بعد عقود من تغييب الوطن و المواطنة؟!
2024.12.11
ياسين الرزوق زيوس
في عام 2012 تمّ سوقنا كبشر سوريين إلى فرع المخابرات الجوية في حماة ربّما كنّا وقتها لا مواطنين من الدرجة الموضوعة تحت إمرة العلوية السياسية غير الوطنية حينما يتعامل معك عنصر ضئيل في المخابرات أو ضابط تحت ضئيل في أقبية هذه المخابرات كغنمة أو كخروف موضوع دوماً على مذبح الاتهامات فقط لأنّهم كأناس مريضين موبوئين مارسوا الاستقواء بالسلطة إلى حدّ جعل المواطنة موضع سمسرة وبيع وشراء، وهنا نتحدّث عن ممارسات سلطوية أمنية يحتلّ معظم مراكزها المستخدمون في تعميق طبقية العلوية السياسية آنذاك تلك الطبقية التي جعلتهم يستخدمون مصطلحات الوطنية البعيدة عن عقولهم و نفوسهم و تصرفاتهم كعباءة فضفاضة لاحتجاز الجميع و تخوينهم والبطش بهم من خلالها مع أنّهم هم من يقول صانعهم الأول (لنعزّز إنسانية الإنسان بوصفها قيمة كبرى !) و ما الإنسانية لديهم إلّا كمصطلح تجاري لتعبئة الجيوب المحلية والدولية وهم من الإنسانية براء!..
أتذكّر حينها مقولة أحد المحقّقين الأوباش عندما قال (أستاذ أنتو طبقة المثقفين بالبلد ولازم تعرفوا قيمة الحرية!) فقلت له كما أذكر وهل هكذا تعرف قيمة الحرية بالضرب والدعس والشحط كمجرمين إلى أقبية المخابرات؟! كما أذكر كيف يشبحون الناس في دورات المياه و كيف يضعون أناساً شبه عراة مربوطين على سرير من اليدين و القدمين ويفرّغون عليهم الأوساخ والقمامة والمياه الملوّثة والدنس وكلّ ما لوّثوا به معاني العلوية السياسية فتحوّلت في نظر الفصائل المقاتلة و في نظر الشعوب العربية بعد الضخ الإعلامي الكثيف إلى نصيرية يجب اجتثاثها وفق ما يرون و كردود فعل عنيفة على ما تمّت ممارسته بحقّهم و حقّ أبناء جلدتهم؟!....
أتذكّر أيضاً إحدى مرات ذهابي إلى دورات المياه في الأمن الجوي وكيف شاهدت شخصاً مشبوحاً هناك قد تغوّط على نفسه نتيجة البرد نوعاً ما في بداية الشهر الثالث ونتيجة الضغط اللا إنساني عليه فقال لي أحد الأوباش (أستاذ هاد مجرم لا يوجعك قلبك عليه!)، وفي مقام آخر هناك شخص قد جرّدوه من ثيابه تماماً في مظهر بعيد عن أيّ معنى من معاني الإنسانية و ليتهم يحتجزون المجرم حقّاً بقدر ما يعتقلون أناساً بريئين في حين أنّ من يتحدّثون عنهم من مجرمين هم شركاء وجودهم في الفساد والإفساد والإجرام بحقّ الدولة ومؤسّساتها ومواطنيها؟!
أنا دوماً كنت أقول وما زلت أقول أنّ وطننا السوريّ يتعرّض للمؤامرات من كلّ حدبٍ و صوب من محاور وقوى تتصارع على الرؤى السياسية والاقتصادية والديموغرافية لهذه المنطقة لكن لماذا لم نكن يوماً محصّنين في وجه هذه المؤامرات ؟! الجواب واضح تماماً ألا وهو الفشل في اجتثاث من سرقوا الدولة ففرّغوها من معانيها والمواطنة فاجتثوها من المؤمنين بها ليفضّلوا عليها حكم الشيطان بدلاً من حكم من يتاجرون بالإنسان مهما كان حجم ومقاس الشعارات القومية والعالمية!...
لقد مارس الرئيس السابق حافظ الأسد العلوية السياسية الأمنية لكنّه لم يجرّد سورية من اقتصادها ولا من قرارها بينما اجتمعت كلّ الظروف في عهد الرئيس السابق الهارب بشّار الأسد لترسّخ أقصى درجات الفشل في عيش وممارسة فكرة العلوية السياسية و القومية العربية لأنّ حزب البعث في سورية لم ينجب إلّا المتسلّقين والانتهازيين إلى حدّ بيع كلّ شيء حتّى الوطن في مزادات الفساد والنفاق السياسي المفضوح!..
من حقّ الشعوب أن تقاوم داخل أوطانها قبل أن تصدّر مفاهيم الثورة والمقاومة إلى الخارج ولا أدري كيف كان رئيس كبشّار الأسد يؤيّد أن يقاوم من الخارج مع قوى تنظّر بهذه المفاهيم بينما شعبه جائع ومسحوق في الداخل حيث أنّ المقاومة مفهوم تصاعدي من الداخل إلى الخارج وليست مفهوماً تنازلياً من الخارج إلى الداخل فمن يريد أن يقاوم في الخارج يجب أن يبني بيته كما يجب في الداخل وأن لا يتركه وسط الزوابع والعواصف العالمية في مهبّ ريح التقلبات!...
الآن وصلت الفصائل إلى حكم سورية وباتت أمراً واقعاً ولا أدري إذا كانت ستمارس السنية السياسية بعد فشل العلوية السياسية الذريع، وعلينا كقوى سورية فاعلة أن نتيح ونغلّب مفاهيم الوطن على الانتقام والعيش الحقيقي على التعايش المصطنع والمواطنة على المساومة والعدالة الوطنية على الطبقية اللا وطنية، وإذا ما قدّر لوطننا أن يكون في مهبّ التقاذف الدولي من جديد ما علينا إلا تثبيته بنا كشعب واحد ينتظره مصير واحد نتمنّاه أن يكون بعيداً ما أمكن عن القسمة الدولية والتقسيم العالمي، والبيت الذي لا تخفق فيه أرواح مواطنيه بالعدالة الاجتماعية لن يقاوم الصهيونية بالتنظير البائس!..
سورية في مؤسّسة القيامة السوريّة الفينيقيّة تعيش أدقّ مراحل التحوّل بعد سقوط العلوية السياسية الطائفية الفاسدة البائدة والتي كانت سائدة ممثّلة بالأسد الابن فهل تجتاحها رياح التقسيم والأصولية أم أنّها ستنجو من جديد بالفكر الواحد واللغات الصامدة الوطنية بعيداً عن الانتهازيين و الانتهازية حيث يجد عبّاس بن فرناس ذيول القضية وأجنحة التشاركية؟!..