كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الفاضل وشحادة واليوسف وغانم وفارس وعبّود حين تبنى الدولة بالعقل ويهدمها غيابه

سيمون خالد علي

الدول تقاس بعدد العقول التي تحملها مؤسساتها. فالدولة التي تحمي عقلها أقوى من الدولة التي تكدس سلاحها. وفي تاريخ سورية الحديث برزت اسماء علمية كانت ركائز فعلية في بناء دولة عاقلة.
الدكتور محمد الفاضل كان مرجعية قانونية عليا جمع بين العمق الاكاديمي وبناء التشريع العملي. نقل القانون من نصوص جامدة الى بنية مؤسساتية حية. ربط الجامعة بالدولة بوصفهما شريكين. اثر في اجيال من الحقوقيين بمنهجه. امتلك قدرة نادرة على قراءة التوازنات الاجتماعية والسياسية. جسد نموذج رجل الدولة العارف. اعطى للشرعية معناها القانوني. تعامل مع القانون كاداة تنظيم. عزز هيبة المؤسسة من خلال العقل. وغيابه ترك فراغا تشريعيا عميقا.
الدكتور محمود شحادة خليل مثل قمة الهرم الطبي في سورية. جسد معنى الثقة الطبية العليا. كان الطبيب الذي يلجأ اليه في الحالات المعقدة. جمع بين الدقة العلمية والانضباط الاخلاقي الصارم. اسهم في تطوير الطب المتخصص عالي الحساسية. عكس نضج التعليم الطبي السوري. مثل قدرة المجتمع الريفي على انتاج نخب علمية عالمية. كان طبيب منظومة صحية. وجوده عزز الامان الصحي المجتمعي. وغيابه فتح سؤالا عميقا حول امن المعرفة الطبية.
الدكتور يوسف اليوسف كان استاذا جامعيا بالمعنى الكامل للكلمة. امن بان الجامعة مساحة للعقل. جعل المعرفة مسؤولية اجتماعية. شكل مرجعية اخلاقية وعلمية لطلابه. حافظ على حضور العقل في زمن الخوف. ربط العلم بالانسان. اسهم في جعل التعليم العالي رافعة للحراك الاجتماعي. جسد قدسية الحرم الجامعي. منح الجامعة شعورا بالامان. وغيابه حولها من فضاء طمأنينة الى فضاء قلق وسؤال.
الدكتور عدنان غانم كان نموذجا موسوعيا نادرا. جمع بين الجيولوجيا والفن دون تناقض. جسد وحدة المعرفة في زمن التخصص الضيق. امتلك تكوينا علميا عالميا انعكس على حضوره المحلي. نقل مناهج حديثة الى البيئة الاكاديمية السورية. تميز بكثافة انتاج معرفي قياسا بعمره. استخدم الفن امتدادا للفكر العلمي. اتقن لغات متعددة وسعت افقه الثقافي. مثل نموذج العالم الانسان. وغيابه اوقف مشروعا معرفيا كان في طور التبلور.
علي جهاد فارس مثل وجها جديدا من وجوه العقل السوري. انتقل من موقع المتلقي للتكنولوجيا الى محاولة انتاجها. ارتبط اسمه بمشروع ابتكاري في مجال الاقمار الصناعية الصغيرة. جسد طموحا علميا خارج الاطر التقليدية للمؤسسات. حاول كسر فكرة ان المعرفة حكر على الدول الكبرى. مثل امكانية الابتكار في بيئة محدودة الموارد. عبر عن جيل يرى في العلم سيادة . فكرة في طور التشكل. وجوده كان اشارة الى مستقبل ممكن. وغيابه في آذار 2025 اغلق نافذة على علم لم يولد بعد.
العالم عيسى عبود كان مثالا للعقل العملي الصامت. انطلق من بيئة بسيطة دون سند مؤسساتي واسع. توجه الى الاختراع . عمل على حلول تطبيقية تمس الحياة اليومية كالزراعة والطاقة والاتمتة. جسد قيمة التخصص الدقيق والالتزام الطويل النفس. شارك في معارض علمية محلية وحقق حضورا مبكرا بعمر صغير. لم يسع الى سلطة ولا الى شهرة بل الى فائدة عامة. مثل نموذجا للعالم الذي يخدم مجتمعه خارج الاضواء. كان جزءا من بنية علمية غير مرئية لكنها حاسمة. وجوده كان دليلا على طاقة ابتكار كامنة في الهامش. وغيابه المبكر عام 2011 كشف هشاشة حماية العقول الشابة واضاف خسارة اخرى الى رصيد الدولة المنهك.
هذه الاسماء تستعاد كوظائف عقلية داخل الدولة. قانون طب جامعة معرفة ابتكار. وما الذي يحدث حين تفرغ الدولة من هذه الوظائف؟
الاستنتاج متروك للقارئ.