كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تأسيس المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا.. قراءة في الرهانات والرموز والآفاق

أمجد اسماعيل الآغا

 في اللحظة السياسية الدقيقة التي يمر بها المشهد السوري، ينبثق تأسيس المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا كحدث ينبغي فهمه ليس فقط من زاوية تكوين تنظيم سياسي جديد، بل كمؤشر له دلالات رمزية ووظيفية عميقة ترتبط بالتحولات الإقليمية والدولية، وبنتائج الصراع السوري الممتد. تحليل هذا التأسيس يستدعي الغوص في متاهات الواقع السياسي السوري الراهن، ضمن أفق الواقعية السياسية التي تفرض قراءة دقيقة لا تسمح بتفخيخ التوقعات ولا بالتطرف في التفاؤل أو التشاؤم.
ترتكز لحظة تأسيس "المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا" على تقاطع أربعة محددات رئيسة: أولاً، تفاقم الانقسام الإقليمي في بنية الأرض السورية، مع تزايد التمركز الفعلي للإدارات الذاتية وأشكال الحكم المحلي المتماسكة في مناطق متفرقة؛ ثانياً، التداخل الدولي المعقد الذي يزرع مزيداً من التعقيد عبر تأثيرات متعددة الأطراف؛ ثالثاً، الحاجة الملحة لإعادة إنتاج قوى سياسية قادرة على تقديم رؤية بديلة تراعي خصوصية المكونات السورية؛ ورابعاً، تكريس خيارات سياسية وإدارية تحاول إعادة التوازن المحلي.
في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى تأسيس المجلس من دون إدراك أن التوقيت السوري الدقيق وتحدياته فرض علامة مميزة على تنامي الوعي بقيمة الحضور السياسي المتوازن، خلافاً لسياسات الإقصاء والإقصاء الطائفي التي جرى توظيفها سابقاً. كما أن قرار تأسيسه بعد "جهود مكثفة واتصالات دولية عديدة ومشاورات" يشير بوضوح إلى محاولة قراءة "الزمن السياسي الدولي" المتصل بالأزمة السورية، ومحاولة إيجاد موطئ قدم في عملية التفاوض الإقليمية والدولية حول مستقبل سوريا.
الرمزية السياسية التي تحيط بإنشاء المجلس تتجاوز وظيفته التنظيمية المباشرة، فهي تعكس محاولة لاستنطاق "هوية مركزية جديدة" وسط تفاوت القوى الراهنة، وترسخ فكرة "الإدارة الذاتية" التي تشتمل على مقاربة جديدة للسلطة والهوية، خاصة مع فتح المجلس ذراعيه لكل من يريد "حق الإدارة الذاتية"، ما يعلنه رفضاً للأحادية وللأسلوب القديم في إدارة البلاد. نتيجة لذلك فإن رمزية المجلس تتجلى أيضاً في موقفه الواضح من المواجهة أمام الفكر التكفيري والجهادي، ما يجعله بمثابة "خط دفاع سياسي واجتماعي ضد التطرف" في وسط وغرب سورية، الأمر الذي يستحضر تاريخاً طويلاً ومسارات من التعايش المشترك، حيث تأمل المبادرة في استثمار هذه المواقع كمحور توازن مهم له قدرة رمزية على إعادة نبض الحضور السياسي السوري في محيط مضطرب.
تقييم قدرة المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا على إحداث تغيير سياسي جوهري في المدى القريب يستلزم قراءة دقيقة للظروف الموضوعية والموارد السياسية المتاحة. المجلس يواجه تعقيدات الواقع الميداني والسياسي الذي يتسم بتعدد المجموعات المسلحة وتباين أجنداتها، في ظل تدخلات دولية متغيرة واستمرار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تزيد هشاشة المشهد، في جانب آخر فإن المجتمع السوري يحمل إرثاً سياسياً وذهنياً يربط بين الوحدة الوطنية ومخاوف من تفتيت الدولة عبر الفيدرالية، حيث يبقى القبول الشعبي والمؤسسي محدوداً رغم إمكانية تحويل الفيدرالية إلى نموذج مرن لإدارة السلطة إذا ما نُفذ بعقلانية. في النهاية، تعتمد فرص نجاح المجلس على قدرته التنظيمية والسياسية، وعلى مدى تمكن ناشطيه من بناء تحالفات واسعة وشاملة تجمع مختلف الفئات داخل المجتمع السوري، وهذا العامل سيكون الحاسم في تحديد مدى تأثيره السياسي وفاعليته.
مع هذا، وبالإستناد إلى تجربة الواقعية السياسية، يمكن أن يعبر المجلس عن بوابة للتغيير التدريجي، عبر إعادة رسم خريطة القوى السياسية المحلية ذاتياً وديناميكياً، بغياب حلول سياسية متكاملة وشاملة حتى الآن، وقد يصبح المجلس آلية ضغط سياسية واجتماعية على الفاعلين الإقليميين والدوليين فيما يتعلق بمستقبل الحكم الإداري والسياسي في سوريا، خاصة في أجواء التفاوض المفتوح حول الصيغة النهائية للدولة.
تأسيس المجلس السياسي لوسط وغرب سوريا يحفر بعمق في الجغرافيا السياسية السورية. تلك اللحظة الفريدة التي عاش بها السوريين بين أهوال ذاكرة الصراع وتجليات الأزمة الوجودية، وبين خيوط الواقع السياسي المتشابك الذي لا يعتمد على الأحكام المطلقة، بل على معادلات القسمة السياسية القاسية، وعليه يحمل المجلس فرصة تاريخية لاستثمار رغبة حيّة في استعادة الفعل السياسي التنموي، عبر مقاربة الفيدرالية التي يُنتظر أن تكون أفقاً مرناً وواسع الحراك في خريطة الحكم السوري.
لكن في الوقت نفسه تظل هذه الفرصة محكومة بتجاذبات القوى الدولية والإقليمية، وبشروط الواقع الميداني والإداري المحلي، التي تجعل من مهمة المجلس امتحاناً عسيراً بين الطموح والإمكانات. إذا نجح المجلس في توسيع قواعده، وتجاوز التحديات الأمنية والسياسية، وتمكن من استثمار الدبلوماسية المتاحة بإقناع الفاعلين الإقليميين والدوليين والسوريين المحلين، فقد يصبح هذا التأسيس محطة فعلية تنير دروب تحول سورية نحو نظام متعدد المكونات، ويُقصي قولاً وفعلاً مفاجآت التطرف والاقتتال الداخلي. أما إذا ظل هذا المجلس محتكراً لفئة أو جهة ضيقة، أو محدوداً بالتأثير السياسي، فسيتحول إلى علامة رمزية محسوبة في سجل أحلام السياسة السورية التي لم تنجح بالكامل بعد.
في كل الأحوال، يبقى تأسيس هذا المجلس محطة سياسية تاريخية ذات رمزية ثرية في معركة تشكيل الدولة السورية القادمة، وهو في جوهره انعكاس لتلك اللحظة المركبة التي يجمع فيها السوريون بين رغبات الحياة وألم الحرب، وبين منطق السياسة وجدانية الهوية، مع كل ما يستدعيه فهم الحاضر لاستشراف المستقبل.
الثقافة الإنتاجية.. من صناعة الوعي إلى صناعة المستقبل
هل حان موعد إغلاق ملف تبديل العملة؟.. رؤية لضمان انتقال آمن بين النقد القديم والجديد
التاجر والرقابة التموينية والمواطن.. ثلاثية لا تستقيم إلا بالأخلاق
خليل معتوق.. الحاضر الذي لا يغيب
العلوية وإشكالية الانتماء الديني
رسالة إلى حافظ الأسد من شخص كان يحبه
رداً على (غُرفة عمليات الفبركات) المُوَجَّهة ضدّ الأشراف العلويين
لا للتخدير الهوياتي
الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي
العلويون.. هوية واصطفاف
اتفاق امريكي ايراني وشيك.. ومأزق اسرائيلي أكيد
هل سيتم بيع سد الفرات؟
أهل السنّة يقلّدون الموارنة.. مع اليهود
الأرشيف العثماني في حماة يمثّل "الحقيقة التاريخية" بينما قيود 1926 تمثل "الحقيقة القانونية الملزمة"
الأكراد في سوريا.. مظلومية لم تبدأ مع الأسد و لم تنته بسقوطه