آخر السوريين
2025.08.22
شعبان عبود
تردني، ويرد للكثيرين غيري، تعليقات على شكل اتهامات وتخوين لمجرد أني أكتب بلغة عابرة للطوائف، في وقت تعيش فيه سوريا والسوريين أزمة خطيرة تهدد بقاء الكيان السوري ذاته.
يريدك البعض اليوم، وبحكم هويتك الطائفية التي لم تخترها حين ولادتك، ولم يخترها أو يقررها أحد منا، إنما ورثها بالولادة، يريدونك أن تكون مثلهم تماماً، أن تشبههم، أن تتحدث مثلهم، أن تفكر مثلهم، أن ترى بعيونهم. يريدونك أن تكون في قلب ومثل القطيع.
ثقافة العشيرة والقبيلة والطائفة لا تؤمن بالفرد. أنت لست أنت، من غير المسموح لك أن تكون أنت كما تريد وتؤمن.
لنكن صريحين: سوريا اليوم مريضة، مدمرة، الدمار لا يتعلق بالحجر والبنية التحتية فقط. المرض والدمار ينخر الجسد السوري نخرا، العالم كله يرى ذلك إلا أبناء الطوائف السوريين، لا يرون أبعد من أنف الطائفة. يرون الوطن من خلال عين الطائفة والشيخ ورجل الدين والزعيم السياسي والمثقف الطائفي، فيما أنا وغيري كثر، نرى الوطن من بعيد، يغرق في الوحل والحرب، يتمزق.
هم لا يرون ذلك، هم يرون في المجزرة انتصاراً، لا يمانعون في أن ينقص الوطن محافظة كاملة، قال أحدهم مرة: إن السويداء ما هي إلا شعرتين في ذيل حصان. هذا الشخص حصد ألاف "اللايكات". يأتي أحدهم ليرد ويقول له: لا يجوز ذلك، دعنا نبني جسراً، دعنا نسمعهم، دعنا نفهم، دعنا نحافظ على بعضنا، دعنا نتجاوز هذه اللحظة، وننتصر جميعاً وتبقى سوريا كلها لنا، يأتيه الاتهام جاهزا ساخراً وعلى الفور: سني كيوت، مثقف. وأحيانا كثيرة يتبع ذلك اتهامات بالتخوين وكلمات مثل: "يا حيف"!
منذ يومين علّق أحد ما، من محافظتي ادلب، قائلا: "يا حيف".. وآخر صديق درس معي في الجامعة، صديقٌ صمت 14 عاما على مجازر الأسد، أتى ليتهمني بأني لا أرى جيداً، لا أعرف حقاً النوايا الخبيثة للأقليات، والدروز منهم تحديداً، "الذين يحاربون النظام فقط لكونه "سنّي"!
هكذا قال حرفياً بعد أن صمتَ 14 عاماً على جرائم الأسد، خلال تلك السنين، كانت قد بُحّت أصواتنا، كتبنا الكثير، حاورنا الكثير، تواجدنا بكل الساحات والشوارع والعواصم والمدن، دخلنا في سجالات وخصومات، خسرنا، ربحنا… كل ذلك وهو كان صامتاً. يأتي اليوم ليقول لك:
"الطائفة أولا.. أنت ترى الطوائف الأخرى، هم لا يريدوننا في الحكم"!
باختصار: يا صديقي اليوم نحن نحتاج جسوراً بين كل هذه الطوائف وليس جدراناً. نريد نوافذاً وليس أبواباً مغلقة، نريد ساحات عامة، لا أزقة ضيقة. نريد بلاداً شاسعة تتسع لأحلامنا، وأمنيات وأحلام من سقطوا من أجلها، وليس متاريس وخنادق.
ينعتوك أيضا بالمثقف! وكأن الثقافة تهمة، وكأن العقل والتفكير والنقد، وكأن كل ما تعلمته في المدارس والجامعات وما قرأته وعشته واختبرته، كأن كل ذلك لا نفع له ولا قيمة، يجب عليك أن تتحدث مثل الغوغاء، مثل القطيع، مثلهم تماماً، إن أعلنوا الحرب عليك أن تعلن الحرب، إذا اختاروا النفاق والصمت وغض البصر، عليك أن تفعل مثلهم.. أنا ليس كذلك، أنا تعبت جداً وبذلت الكثير، ودفع أهلي عرقا ودماً حتى أتعلم وأحصل على شهادة، وأكون إنساناً صالحاً، لن أخذلهم.
الثقافة ميزة، الثقافة مجال للفخر، المثقف عقل الأمم والأوطان التي تمنعها من الانحدار والسقوط وتصوّب الاتجاهات، وتقود نهضة الأمم. من أنار الطريق للأمم العظيمة هم المثقفون، وليس الغوغاء والشعبويين.
على المثقف أن يعتد بنفسه اليوم أكثر من أي وقت مضى، عليه أن يفاخر أنه لا يقبل أن يكون ضمن القطيع، أن يتوقع الحرب ضده وإطلاق الرصاص عليه، حتى من أقرب الناس إليه. عليه ألا يخجل أو يدرء عنه هذا الشرف .
هناك كثيرون ممن اعتادوا العبودية. هناك الكثيرون ممن لا يتجرؤون على قول: لا. بالنسبة لهم حضن الطائفة والقبيلة أكثر أمناً وسلامة. أمّا الوطن فهو طريق شاق. هذا ما يفسر الهجوم على شخص مثل فيصل القاسم مثلاً، لأنه اختار طريق الوطن، وليس الطائفة، هذا ما يفسر الكثير ممن يتعرض له مثقفون من الطائفة السنية حين يوصفون بـ: مثقف.. سنّي كيوت..
بالمناسبة، هؤلاء اليوم وحدهم من يبقون على بصيص أمل بسوريا للجميع. لأنهم وحدهم الجسور المتبقية بين السوريين جميعاً، أو الأخوة الأعداء بعد أن تم تفجير كل الجسور وإغلاق كل الأبواب، سواء عبر مجزرة أو من خلال رفع علم وراية لدولة إسرائيل.