كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

العقلية الانتقامية والعدالة الانتقائية

مروان حبش

تطرح مسألة السلطة الانتقالية في سوريا بوصفها اختبارًا أخلاقيًا وسياسيًا حاسمًا: هل تكون مرحلةً لإعادة تأسيس الدولة على قاعدة المواطنة والقانون، أم تتحول إلى محطة لإعادة إنتاج أنماط الهيمنة القديمة بأدوات جديدة؟ بعد عامٍ ونيف من إدارة المرحلة الانتقالية، يتنامى شعورٌ واسع بأن الفرصة التاريخية لبناء دولة محايدة بمؤسساتها لم تُستثمر كما ينبغي، وأن الذهنية التي تُدير الشأن العام أقرب إلى عقلية الغلبة والمحسوبية منها إلى عقلية الدولة الحديثة.
أولاً: بين منطق الدولة ومنطق الجماعة
المرحلة الانتقالية، في أي سياق، تُفترض أن تكون مساحة لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وإرساء قواعد حياد المؤسسات، وضمان تكافؤ الفرص. غير أن ما يتبدّى في الممارسة هو تغليب الانتماء الضيق على الانتماء الوطني، واستبدال معيار الكفاءة بمعيار الولاء التنظيمي أو الجغرافي. وهنا تكمن المفارقة: بدل أن تتحول مؤسسات الدولة إلى إطار جامع لكل السوريين، تُدار وكأنها امتدادٌ لبنية تنظيمية مغلقة، تُعيد توزيع المواقع بين "عناصر الفصائل" لا بين أصحاب الكفاءات والخبرات.
الدولة، بمعناها الحديث، تقوم على مؤسسات حيادية وقواعد عامة ومعلنة. أما حين يصبح التوظيف مزرعة خاصة لإعادة توزيع الغنائم، فإننا ننتقل من منطق الدولة إلى منطق الجماعة؛ من الإدارة العامة إلى شبكات الزبائنية؛ من القانون إلى الشخصنة.
ثانياً: العقلية الانتقامية والعدالة الانتقائية
السلطة الانتقالية مطالبة، بطبيعتها، بمعالجة إرث ثقيل من الانتهاكات والمظالم. لكن معالجة الماضي لا تكون بعقلية الانتقام، بل بإرساء عدالة انتقالية شاملة وعادلة. ما يُلاحظ اليوم هو غياب مسار واضح للعدالة الانتقالية، مقابل حضور عدالة انتقائية تُطبَّق على أفراد أو شرائح بعينها، بينما يُتغاضى عن تجاوزات أخرى تبعاً للانتماء أو القرب من دوائر النفوذ.
العقلية الانتقامية لا تبني دولة، بل تؤسس لدورات جديدة من الإقصاء والاحتقان. والعدالة الانتقائية تُفقد القانون هيبته، لأنها تُظهره كأداة بيد السلطة لا كمرجعية فوق الجميع. حين يُسرَّح موظفون بلا معايير واضحة أو إجراءات قانونية معلنة، وحين تُعتمد "القوائم" بدل التقييم المؤسسي، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع هي أن الحقوق ليست مضمونة، وأن الانتماء هو صمام الأمان الوحيد.
ثالثاً: إقصاء الأكفاء وتهميش الخبرات
إحدى أخطر الظواهر في المرحلة الراهنة هي إقصاء شرائح واسعة من الكفاءات والخبرات المتراكمة، سواء بدافع الشك السياسي، أو بحجة "الانتماء السابق"، أو بفعل إعادة هندسة المشهد الإداري لصالح جماعة بعينها. معيار التوظيف لم يعد مرتبطاً بالمؤهل والخبرة، بل بالانتماء إلى منظمة محددة. ومعيار الراتب لم يعد يقوم على طبيعة العمل ومسؤوليته، بل على الجغرافيا أو الخلفية السابقة.
هذه السياسات لا تضر الأفراد فحسب، بل تُضعف الدولة ذاتها. فالإدارة العامة ليست ساحة تصفية حسابات، بل جهازٌ تقني يحتاج إلى خبرات متراكمة ومعرفة تخصصية. إقصاء الأكفاء يعني إفراغ المؤسسات من مضمونها المهني، وتحويلها إلى هياكل شكلية تُدار بالولاء لا بالمعرفة.
رابعاً: المحسوبية و"مرجعية الشيخ" الإدارية.
تترافق هذه الاختلالات مع ظواهر تعمّق الطابع الشخصاني للإدارة: تعيينات عائلية، تنصيب الموالين في مفاصل حساسة، ترسيخ مرجعية “الشيخ” أو الشخصية النافذة كحَكَم إداري فوق القوانين والأنظمة. في مثل هذا السياق، لا تعود اللوائح الداخلية أو القوانين الناظمة هي المرجعية، بل العلاقات الشخصية والوساطات.
هذه البنية تُنتج ازدواجيةً في الرواتب والأجور، وتفاوتاً غير مبرر في الامتيازات، وتُقوّض مبدأ المساواة أمام القانون. كما أن غياب سياسات عامة مدروسة وبرامج تنفيذية واضحة يُحوّل الإدارة إلى ردود أفعال آنية، بدل أن تكون عملية تخطيط ممنهج لتحقيق أهداف معلنة.
خامساً: غياب المشروع الوطني الجامع
الدولة التي تُبنى على الانتماء الضيق تُهدّد وحدة المجتمع على المدى الطويل. حين يشعر المواطن أن فرصته في العمل أو الترقية أو الحماية القانونية مرهونة بانتمائه لا بكفاءته، فإن شعوره بالانتماء الوطني يتآكل. ومع استمرار سياسة الإقصاء والتهميش والتجويع، يتعزز الإحساس بالغربة داخل الوطن ذاته.
المرحلة الانتقالية هي فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة الحقوق والواجبات المتساوية. لكن استمرار النهج القائم يهدد بتبديد هذه الفرصة، ويُعيد إنتاج منطق الدولة الفئوية الذي عانى منه السوريون طويلًا، وإن اختلفت الوجوه والشعارات.
سادساً: نحو تصحيح المسار
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب جملة من الخطوات الجوهرية:
إقرار مسار عدالة انتقالية شامل وشفاف، قائم على معايير قانونية واضحة، يضمن المساءلة دون انتقام، ويُرسّخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب للجميع دون استثناء.
اعتماد معايير توظيف معلنة ومنافسة مفتوحة، تقوم على الكفاءة والخبرة، وتخضع لرقابة مستقلة.
توحيد سلم الرواتب والأجور وفق معايير موضوعية، وإلغاء الازدواجية والتمييز.
إعادة صرف رواتب المتقاعدين من مدنيين وعسكريين.
إعادة الاعتبار للمؤسسات بوصفها مرجعية أعلى من الأفراد، ووضع حد للشخصنة والمحسوبية.
إشراك جميع شرائح المجتمع في رسم السياسات العامة، بما يعزز الإحساس بالمواطنة المشتركة.
إن استمرار إقصاء السوريين عن وطنهم، وإدارة المرحلة الانتقالية بعقلية الغلبة والمحسوبية، لا يهدد فقط حاضر البلاد، بل مستقبلها. الفرصة التاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة لم تُغلق بعد، لكنها تضيق يومًا بعد يوم. فالدولة لا تُبنى بالولاءات الضيقة، بل بثقة المواطنين؛ ولا تُدار بروح الانتقام، بل بروح العدالة؛ ولا تزدهر بالإقصاء، بل باحتضان جميع أبنائها على قاعدة المساواة والكفاءة.
وإذا لم تُستدرك الأخطاء، فإن المرحلة الانتقالية قد تتحول من جسر نحو الدولة إلى حلقة جديدة في سلسلة الأزمات، تعيد إنتاج ما كان تُفترض أن تنهيه.