كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إيران والضربة الأمريكية

مروان حبش

 دواعي التدخل الأمريكي بضرب المنشآت النووية الإيرانية: بين دعم إسرائيل والإجبار على الإذعان. أم دوافع أوسع؟
لطالما شكّلت إيران النووية هاجسًا استراتيجيًا بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل. مع استمرار برنامج إيران النووي وتزايد تقارير أجهزة الاستخبارات الغربية عن اقتراب طهران من امتلاك "القدرة الكاملة" لصنع سلاح نووي، تصاعدت التكهنات بشأن خيار عسكري أمريكي مباشر لضرب المنشآت النووية الإيرانية. لكن هل سيكون هذا التدخل لتمكين إسرائيل؟ أم يهدف لإجبار إيران على الخضوع للشروط الأمريكية في المفاوضات اللاحقة؟ أم أن هناك دوافع أكثر تعقيدًا وتشابكًا؟
تعتبر القضية الإيرانية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في السياسة الدولية، حيث تتداخل فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية مع تطلعات إيران النووية. منذ سنوات، كان هناك قلق متزايد من قبل الولايات المتحدة وحلفائها بشأن برنامج إيران النووي، الذي يعتقد أنه قد يؤدي إلى إنتاج أسلحة نووية. وفي هذا السياق، تبرز عدة دواعي للتدخل الأمريكي وضرب المنشآت النووية الإيرانية.
يمكن اعتبار قرار ترامب بضرب المنشآت النووية الإيرانية امتدادًا لانسحابه من الاتفاق النووي JCPOA) ) في عام 2018، وهو خطوة تتماشى مع استراتيجيته العامة للضغط على إيران. هذا القرار يعكس مجموعة من العوامل المرتبطة بموقف ترامب تجاه إيران.
في كتابه "فن الصفقة"، يتحدث ترامب عن أهمية الضغط على الطرف الآخر لتحقيق نتائج أفضل في المفاوضات. يمكن تفسير الضغوط العسكرية كجزء من هذه الفلسفة، حيث يسعى ترامب إلى تحقيق موقف قوي يمكنه من استغلاله في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران.
انسحب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني في مايو 2018، معتبرًا أنه اتفاق غير كافٍ ولا يضمن عدم حصول إيران على أسلحة نووية. بعد الانسحاب، أعاد ترامب فرض عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في البلاد.
من خلال العقوبات والتهديدات العسكرية، كانت هناك محاولة لزيادة الضغط على إيران بهدف إجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات. كان من المتوقع أن تؤدي هذه الضغوط إلى تقديم تنازلات من قبل إيران، خاصةً بعد انقضاء فترة الـ60 يومًا التي تم التفاوض خلالها بوساطة عُمانية، وبدء الحرب الإسرائيلية- الإيرانية.
إن استخدام القوة العسكرية كوسيلة للضغط على إيران يعكس أيضًا رغبة ترامب في استعراض القوة الأمريكية في المنطقة، مما قد يعزز موقفه داخليًا ودوليًا. كما كانت هناك ضغوط كبيرة من الحكومة الإسرائيلية، وخاصة من نتنياهو، لدفع الولايات المتحدة نحو اتخاذ إجراءات أكثر حزمًا ضد إيران يكون قد ساهم في اتخاذ القرار بضرب المنشآت النووية.
إن التزاماً أمريكياً طويل الأمد يتمثل في ضمان تفوق إسرائيل النوعي في المنطقة. وإيران نووية تهدد هذا التفوق. وتُعدُ إسرائيل أحد أبرز العوامل المحركة لسياسات الولايات المتحدة تجاه إيران. لأن تل أبيب تعتبر امتلاك إيران لسلاح نووي "خطرًا وجوديًا"، وتطالب مرارًا وتكرارًا المجتمع الدولي، وخاصة واشنطن، باتخاذ خطوات حاسمة لمنع إيران من بلوغ "عتبة النووي" قد ترى واشنطن في تدخلها العسكري وسيلة لاحتواء انفجار إقليمي واسع بعد أن أقدمت إسرائيل على الضرب منفردة. لكن رغم ذلك، من الصعب الادعاء بأن واشنطن ستخاطر بخوض حرب مفتوحة فقط "لأجل إسرائيل" دون اعتبارات أوسع تمس مصالحها المباشرة.
إن فرض الشروط الأمريكية بالضغط عبر القوة إلى خيار الضربة العسكرية كأداة ضغط استراتيجية لإجبار إيران على الإذعان في مفاوضات مستقبلية بشأن برنامجها النووي.
بعد انهيار الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2018 وانسحاب واشنطن منه، شهدت إيران نوعًا من التمرد السياسي والاستراتيجي، ووسعت من أنشطتها النووية. وترى أمريكا أن التدخل العسكري قد يُعيد "ميزان الردع" ويجعل طهران أكثر انفتاحًا على قبول شروط أمريكية أكثر صرامة.
وقد تُستخدم الضربة العسكرية أيضًا كرسالة موجهة للصين وروسيا وكوريا الشمالية مفادها أن واشنطن لا تزال مستعدة لاستخدام القوة لحماية مصالحها الحيوية.
وقد تُستخدم أيضًا كورقة لتعزيز صورة الرئيس بصفته "قويًا وحازمًا" في مواجهة الخصوم داخل أمريكا مع قرب أي استحقاق انتخابي لمجلسي النواب والشيوخ.
وبعيدًا عن البعد الإسرائيلي أو فرض الإذعان، ثمة دوافع أوسع تتعلق برؤية واشنطن للدور الإيراني في المنطقة وللنظام العالمي عمومًا. إن إيران لا تهدد أمريكا فقط عبر ملفها النووي، بل أيضًا من خلال نشاطاتها بواسطة أذرعها في بعض الدول العربية. لذا فإن ضرب برنامجها النووي قد يكون بداية لضرب أدوات قوتها الردعية و تحجيم نفوذها الإقليمي.
وتهدد إيران بشكل دوري إغلاق مضيق هرمز، الشريان الرئيسي لنقل النفط العالمي وحرية الملاحة في الخليج. وإن الضربة تحمل هدفًا ضمنيًا بتقليص قدرة إيران على تعطيل الملاحة.
قد يشجع امتلاك إيران لسلاح نووي دولًا مثل السعودية وتركيا ومصر على المضي في برامج مشابهة، ما يُهدد نظام عدم الانتشار النووي برمّته ومنع سباق تسلح نووي إقليمي
إن الولايات المتحدة، رغم تقليص وجودها العسكري في المنطقة، لا تزال ترى نفسها اللاعب الضامن لاستقرار الشرق الأوسط. واستهداف إيران قد يكون خطوة لإعادة تأكيد ذلك الدور وإعادة صياغة البيئة الأمنية في الشرق الأوسط:
رغم هذه الدوافع، فإن تنفيذ الضربات العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية ليس خطوة بلا تكلفة، بل هناك تحديات ومخاطر محيطة، منها:
- تعقيد الجغرافيا النووية الإيرانية فمنشآت مثل "فوردو" و"نطنز" مدفونة تحت الأرض ومحصنة بشكل كبير، مما يستدعي عمليات عسكرية أخرى معقدة وربما ممتدة.
- رد الفعل الإيراني المتوقع من طهران قد ترد عبر وكلائها (حزب الله، الحوثيين، ميليشيات في العراق)، وقد تمتد الهجمات لتشمل القواعد الأمريكية في المنطقة.
- الانقسام الدولي فضرب إيران دون غطاء دولي (خصوصًا من أوروبا أو مجلس الأمن) قد يُضعف شرعية أمريكا ويزيد من نفوذ روسيا والصين.
- التأثير الاقتصادي العالمي كارتفاع أسعار النفط، اضطراب الأسواق، وتهديد الملاحة الدولية كلها احتمالات قائمة في حال اندلاع مواجهة مفتوحة.
من الصعب أن نحدد بشكل قاطع ما إذا كانت إسرائيل قد "جرّت" الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري ضد إيران. ومع ذلك، يمكن القول إن العلاقة الوثيقة بين الحكومتين قد ساهمت في تشكيل السياسات الأمريكية تجاه إيران. كانت إدارة ترامب تحت ضغط كبير من قبل نتنياهو والحكومة الإسرائيلية لتبني نهج أكثر عدوانية تجاه إيران، بما في ذلك وقف مفاوضات الاتفاق النووي واتخاذ قرارات صارمة.
استخدمت إسرائيل مجموعة متنوعة من الوسائل، بما في ذلك المعلومات الاستخباراتية والحملات الإعلامية، لتسليط الضوء على المخاطر التي يمثلها البرنامج النووي الإيراني. وقد ساعد ذلك على تشكيل الرأي العام الأمريكي والدولي حول ضرورة اتخاذ إجراء ضد إيران.
ويمكن القول إن قرار ترامب بضرب المنشآت النووية الإيرانية هو جزء من استراتيجية شاملة بدأت بالانسحاب من الاتفاق النووي وتضمنت استخدام الضغط العسكري كوسيلة لإجبار إيران على استمرار التفاوض وفق الشروط الأمريكية. هذه الديناميكيات تعكس فلسفة ترامب في التعامل مع القضايا الدولية، والتي تركز على القوة والضغط لتحقيق النتائج المرجوة.
إن دواعي التدخل الأمريكي لضرب المنشآت النووية الإيرانية تتجاوز مجرد مساعدة إسرائيل أو إجبار إيران على التفاوض. إنها تشمل مجموعة معقدة من العوامل المتشابكة الأمنية والسياسية والاستراتيجية التي تعكس التوترات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، تظل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل محورًا رئيسيًا في هذه الديناميكيات، حيث تلعب الضغوط الإسرائيلية دورًا مهمًا في تشكيل السياسات الأمريكية تجاه إيران. وإن قراراً كهذا، كان بناءً على موازنة دقيقة بين أهداف واشنطن الكبرى في المنطقة وتكلفة التصعيد.
لكن في النهاية، كانت الضربة العسكرية، على خطورتها، خيارًا "أخيرًا" وفقًا للعقيدة الأمريكية، إذ بعد استنفاد كل أدوات الضغط غير العسكرية قبل المواجهة المباشرة. ومع هذا، فإن استمرار إيران في توسيع برنامجها النووي، دون وجود اتفاق واضح، ربما كان دافع الضربة الأمريكية.