لو كنت صاحبة سلطة لاستلهمت ذلك الدستور
2025.05.02
ناديا خوست
عندما ألتفت إلى النسيج الذي دثرني في الحياة، أتبين الخيوط التي وهبتني ألوانه المبهجة. في طفولتي كانت جارتي الأثيرة يونانية، وفي المدرسة مسيحية ثم فلسطينية. وفي مرحلة النضج كانت صديقتي المحبوبة ابنة أخت بدوي الجبل، وفي الجامعة كنت وسط أصدقاء من طوائف وأديان وقوميات متنوعة. ثم كانت صديقتي العزيزة أرمنية، ثم كانت درزية، ثم كانت علوية. فهل أستطيع أن أفصل خيطاً من خيط دون أن أمزق تلك الحياة؟
زهونا نحن السوريين بأننا باقة لونتها الحضارات. لذلك لم أعرّف أولئك الأصدقاء بمنابتهم إلا بمعيار افترضته كتابة هذه المقالة. أما في مسار الحياة فلم يحدد القرب والبعد عنهم غير المعايير الأخلاقية والفكرية. فكنت كمن ينفذ النصيحة المحفورة في الحجر في تدمر، قبل ظهور الأديان السماوية: لا تحتقر إلهاً لا تعبده!
سند ذلك ما تعلمناه في المدرسة: أن الانتداب قسّم سورية على أساس مذهبي وإثني، وأن سلطان باشا الأطرش قاد ثورة السوريين على ذلك التقسيم. وجسدت الصورة التي تجمعه بهنانو والجابري والبارودي وصالح العلي وآخرين تلك الوحدة السورية. في أيامنا أصبح معروفاً أن المخطط الصهيوني الأمريكي رسم تفكيك سورية والعراق على أساس مذهبي وإثني، منذ أعلنته مجلة كيفونيم سنة 1982. من اليسير إذن أن نستنتج أن الفيديوهات والرسائل الصوتية التي تحرض على العلويين والدروز والمسيحيين تقع في سياق مشروع تفكيك سورية.
لذلك يبدو لنا أن رؤية السوريين كطوائف، خطأ استولد نتائج خطرة. منها السعار الطائفي. وزيارة الشيوخ الاستفزازية إلى مقام النبي شعيب في إسرائيل. والتطاول على النبي الكريم، الذي قصد الفتنة. والهجوم الدموي على الساحل السوري الذي أحرق السلام الأهلي، ويجب أن يعاقب على المشاركين فيه علناً.
في أول كلمات الرئيس أحمد الشرع أن سورية ليست أفغانستان. وأن منطق الدولة يختلف عن منطق الثورة. فهل هناك من يردون عليه بمشاهد الذبح والفتك، متجاهلين تاريخ الحكمة السورية، وتسامح الإسلام الشامي، والموقع الذي لا يبيح لسورية حضانة التطرف؟ توقد نارَ الفتنة الإسرائيلية لتقسيم سورية، الاغتيالاتُ على أساس طائفي، ومشاهد حلق الشعر والضرب والإهانة. فحماية كرامة جميع السوريين واجب السلطة، وإدانة المجرم وظيفة القضاء فقط، والتعذيب مرفوض مهما كانت الجهة التي تمارسه.
وضح بيان مجموعة المرجعيات السورية الدرزية، واللقاء السياسي الديني الدرزي اللبناني أمس، ما يجب لحماية السلم الأهلي. وحذر: إسرائيل عدوة، وليست حامية! في هذا السياق، تذكرنا دستور سنة 1928 أبا الدساتير السورية الذي صاغته مجموعة من الحقوقيين السوريين، منهم فوزي الغزي، الذي واجه التقسيم الفرنسي، مستنداً إلى تأسيس الدولة لشعب لا لطوائف. وفيه في المادة 6: السوريون لدى القانون سواء في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة، ولا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين أو المذهب. وفي المادة 8: لا يجوز القبض على أي إنسان إلا وفقاً للقانون. وفي المادة 9: لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على القانون. وفي المادة 12: للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها إلا في الأحوال المعينة في القانون وبالشرائط المذكورة. وفي المادة 15: حرية الاعتقاد مطلقة والدولة تحترم جميع الأديان والمذاهب القائمة في البلاد، وتكفل حرية القيام بشرائع الأديان والعقائد على ألا يخل ذلك بالنظام العام ولا ينافي الآداب، وتضمن الدولة أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام المصالح الدينية والأحوال الشخصية.
لو كنت صاحبة سلطة لاستلهمت ذلك الدستور.