كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حول رفع العقوبات البريطانية عن الاستخبارات والدفاع بسوريا.. ما علاقة الأردن؟

مالك حافظ

أولاً- يجب الأخذ بعين الاعتبار زيارة رئيس هيئة الأركان المشتركة الأردني، اللواء يوسف الحنيطي، يوم أمس إلى دمشق. فهذه الزيارة لها أبعادها في قراءتنا لمشهد رفع العقوبات اليوم!
ثانياً - الأردن أعلنت أواخر كانون الثاني 2025 عن نيتها دعم وتدريب نواة الجيش السوري الجديد، وهو ما بدا في ذلك الوقت ويتأكد حالياً بأن عمّان تسعى إلى العبور من بوابة سوريا إلى دور إقليمي أوسع. ومع زيارة اللواء الحنيطي، أصبح من شبه المؤكد أن الأردن لا يتحرك وحده، بل بتنسيق وثيق مع لندن، التي لا يبدو أنها راغبة في تخفيف حضورها في ملفي الدفاع والاستخبارات شرق المتوسط.
???? ثالثاً- من المرجّح أن يكون الأردن قد عُهد إليه بمهمة إعادة تأهيل القطاعين الأمني والعسكري في سوريا، بما يضمن ولاء مؤسسات الدولة الجديدة للغرب وليس فقط للسلطة الانتقالية، خاصة في ظل القلق المتنامي من نفوذ سلفي–جهادي في البنية الرمزية والإدارية للسلطة الحالية.
رابعاً- رفع التجميد عن وزارتي الدفاع والداخلية وأجهزة الاستخبارات هو قرار سياسي بامتياز، فهو يفتح الباب أمام إعادة هيكلة الأجهزة السيادية في سوريا عبر القنوات الغربية، سواء عبر التدريب، التمويل، أو حتى الإشراف غير المباشر. وهنا يبرز خطر مزدوج، الأول يتمثل فيما إذا الهدف الحقيقي فعلاً دعم مؤسسات سيادية تخدم الاستقرار، أم بناء أجهزة خاضعة للمراقبة الغربية لضمان "نظام طيع"؟ والتساؤل الثاني يتمحور حول ما إذا كان الشعب السوري سيستفيد من هذا الدعم، أم أن الأمر لا يعدو كونه تأميناً ناعماً لاستقرار السلطة الانتقالية؟
خامساً- إن الافتراض بإمكانية إقامة قواعد أمنية أو عسكرية بريطانية، أو قواعد مشتركة مع الأردن في الجنوب السوري أو بالقرب من مناطق التماس الحيوية (مثل معبر نصيب أو البادية السورية)، ليس فقط ممكناً بل منطقياً إذا ما نظرنا إلى عدة معطيات، أولها العلاقة التاريخية بين بريطانيا والأردن في الملف العسكري، بما يشمل التعاون الاستخباراتي ومهمات التدريب الخاصة. وثانيها رغبة بريطانيا في الحفاظ على نفوذ استراتيجي في منطقة شرق المتوسط بعد تراجع الدور الأميركي واحتدام الصراع الروسي–الغربي. وثالثها سعي بريطانيا لتعويض خيباتها في الملف الأوكراني عبر إمساك ورقة سوريا تُستخدم في أي تفاوض لاحق.
???? سادساً- هنا تطرح مُعضلة جديدة، وهي موقف الدول العربية "المهتمة" بالملف السوري، كالرياض، وأبو ظبي، والقاهرة، هل ستقبل هذه الدول أن تعود بريطانيا للعب دور مباشر داخل سوريا عبر بوابة عمّان؟ أم أنها قد تعتبر الأمر تقويضاً لمحاولاتها السابقة في إعادة دمشق إلى "الحضن العربي"؟ وهل ستبقى صامتة أمام احتمال إعادة إنتاج نموذج "الدولة الأمنية المرتهنة للخارج" بوجه جديد؟
سابعاً- المؤشرات الحالية لا تدعو للتفاؤل، فدائرة أحمد الشرع، ما تزال تصرّ على تجنيس المقاتلين الأجانب الذين دخلوا البلاد كمجاهدين سلفيين، وهذه الخطوة وحدها كفيلة بتقويض أي مشروع وطني جامع، وهي تنذر بأن الأمن المستقبلي لسوريا قد يُدار بمنطق الولاء العقدي.
ثامناً- إذا كانت المؤسسة العسكرية السورية الجديدة سيُعاد بناؤها على يد الأردن، فما هو موقف عمّان من تجنيس آلاف الأجانب الذين يحملون فكراً سلفياً عابراً للحدود؟ هل ستقبل الأردن بالتعامل مع مؤسسة عسكرية قد تضم بين صفوفها من قاتل في صفوف الجماعات الجهادية في الشيشان أو العراق أو اليمن، أليس هذا التوجّه يشكّل خطراً أمنياً مباشراً على الأردن ذاته، الذي خبر مرارة الإرهاب في قلب عمان؟
????
تاسعاً- إذا كانت السلطة الانتقالية في سوريا ترى أن تثبيت حكمها يتطلب توريط الخارج في بناء أجهزتها الأمنية والعسكرية، فإننا نكون أمام منظومة حكم مؤقتة، مرهونة لتحالفات فوق وطنية، تحاول إنتاج الاستقرار من الخارج.