حول تبادل الاتهامات في سوريا
2025.04.12
فخر زيدان
من السخف والتهافت أن نضع أنفسنا في موقع تبادل الاتهامات، أوتبادل أدوار الدفاع، كأن يقول السني: السلطة كانت علوية والعلويون كان لهم القول الفصل. فيجيب العلوي: أبداً، لقد كان أغلبية المسؤولين سنة. ويعدد: وزير الدفاع، رئيس هيئة الأركان، رئيس الوزراء وأغلبية الوزراء، أعضاء القيادة القطرية، وبعض ضباط الأمن. فيرد عليه السني: ياسيدي. عريف علوي في المخابرات، كان يضعهم كلهم في طبون السيارة (كما كان يتفاصح مذيع على قناة فضائية هامة).. وهكذا ولاينتهي الجدال، ولانصل إلى أي نوع من الحسم، أو التقارب في وجهات النظر، وليس العتب، على من وجد نفسه في خيمة مهجراً من بلدته، والآن هو شاب فاقد لمعظم أو بعض أفراد أسرته، أو من لم تسعفه ظروفه للتعلم والتثقف. بل العتب على المثقف الذي خدم في مفاصل الدولة ويعرف الكثير من الحقائق..
ومع موجة كانت ومازالت تتصاعد عن امتيازات العلويين، أيام حكم الدعي ابن الدعي، وخاصة بعد أن رأى العالم في أثناء الانتهاكات والمجازر التي ارتكبت في الساحل. بحق "الفلول" مدى فقر وبؤس تلك القرى والناس، والتي تحسب بيوتهم مأوى للماشية أو حظائر دجاج، وقد جمعتني ساحة الأمويين بعيد التحرير بدكتور من الهيئة، يجمل بندقيته والذي أكد لي أنه سيعود إلى التدريس في الجامعة بعد استتباب الأمن، فقال: لاتحدثني عن فقر قراكم. فقد رأيت ذلك بأم عيني.
وكنت قد أجريت أنا وإياه لقاءاً مع تلفزيون إيطالي.
لكن لم يزل الكثيرون يقولون أن العلويين استفادوا كثيراً من النظام.. من خلال رواتب إضافية أو وهمية.. "سأحدثكم بعد قليل عن طرفة حول ذلك"، أو من خلال الوساطة عبر النفوذ العلوي الكبير داخل السلطة. أو عبر التشبيح، والتفاخر بحرف القاف، أو أو غير ذلك مما يُذكر كثيراً. وهناك من العارفين الذين لم يحاولوا نفي ذلك أو شرحه.
لقد كنت على معرفة مع الدكتور زياد شويكي رحمه الله، الذي أصبح وزير التعليم العالي، ثم بقي فترة طويلة رئيساً لجامعة دمشق. كنا نجلس في عيادته في الجسر الأبيض. فقال أحدهم: هناك حديث عن أن العلويين جميعهم يأخذون راتباً سريا من الدولة "الحديث كان إما عام الـ 77 أو الـ 78"، فقال الدكتور زياد بلهجته الشامية المعتقة: "إي سيدي وياخدوا 300 ليرة شو بدها تساوي بغلاء هالمعيشة؟". ملاحظة: زياد شويكي زوجته علوية، ويعرف حق المعرفة أن ذلك باطلاً. أقول ذلك وأنا أتذكر كيف بعد أن حصلت على الثانوية العامة وسجلت في جامعة دمشق، كيف بقيت عاماً كاملاً حتى استطعت الحصول على وظيفة، شهادة ثانوية براتب 300 ليرة سورية، حيث كدتُ أحسد نفسي على تلك النعمة.
كما أذكر كيف أرسلني أحد أقاربي إلى عضو قيادة قطرية كنيته قبلان "أبو جهاد" من أجل وساطة بسيطة ولم يتيسر الأمر، وهو يقول لي سلم على سيادة اللواء. وللأمانة كان الرجل لطيغاً وخدوماً والناس يدخلون إلى مكتبه عبر رتلٍ طويل.
وهاهو أحد طياري النقل يروي لنا اليوم، كيف كان يحمل عشرات الطلبات لتوقيعها من وزير الدفاع، حين يكون مسافراً معه في رحلة خارجية، أو كيف يفخر أحد الضباط الكبار أو موظف هام، بأنه قابل رئيس الأركان حكمت الشهابي، وطلب منه شيئاً ما، وكيف كان الضباط العلويون وغير العلويين يرتجفون حين يزورهم حكمت الشهابي، أو يحضر لهم مشروعاً، على عكس وزير الدفاع مصطفى طلاس الذي كانت الابتسامة لاتفارق وجهه، ويتجرأ الجميع على محادثته والطلب منه بعض الخدمات والوساطات، أو أنه استطاع أن يحصل على توقيع محمود الزعبي في استثناء ما.
بالطبع هذا كله لاينفي، كيف كان العلويون الكبار المتنفذون وهم بالكاد معدودون "دوبا.. الخولي.. ناصيف" يسهلون لأقاربهم أو معارفهم مااستعصى وصعب، في حين كان التجار الكبار وهم غالباً غير علويين، يحصلون على مايريدون، عبر وسائل تعرفونها جميعاً؛ وشاهدنا من كل هذا السرد الذي أعرفه وأعرف غيره الكثير مما لايتسع المكان لروايته، التنبيه على أن التركيز على امتيازات العلويين الوهمية في غالبها تستتبع نتائج خطيرة عند من لم يعرف حقائق الأمور، وبالتالي يزيد من الضغينة والأحقاد، ويبرر مانراه من استسهال القتل، لابل تبريره بصوت عالٍ ومرتفع، كما شاهدتم في الكثير من الفيدوهات. وكل هذا يسجل حقاً على الشرفاء والعارفين بتركيبة السلطة البائدة أن تبين حقيقة النظام المافيوي الذي كان متسلطاً على سوريا، حيث لاينتمي لا إلى طائفة ولا وطن، فقط يخدمون مصالحهم ومصالح مشغليهم، وإن استطاعوا اللعب على غريزة الطائفة والتغرير بها، وتخويفها من أخوة الوطن.