كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"أنت عمري"

محمد صباح الحواصلي
واشنطن 13 حزيران 2026
في الخميس الأول من شهر شباط (فبراير) سنة 1964، وعبر الأثير القادم من إذاعة القاهرة، وفي حفلتها الشهرية التي كانت تُبث مباشرة عند الحادية عشرة ليلاً، سمعت أم كلثوم للمرة الأولى تغني «أنت عمري».
كنت يومها في الخامسة عشرة من عمري، ولم أكن من أهل السهرات الكلثومية، ولا من المتابعين لعبد الوهاب أو غيره من عمالقة الطرب. كان هواي يهرع إلى أغاني «البوب» الأجنبية التي كنت أردد ألحانها من غير أن أفهم من كلماتها شيئاً. وكنت مولعاً بعبد الحليم حافظ وأفلامه، وبعض أغنيات فريد الأطرش الحزينة، ولا سيما أغنية «أنا عمر بلا شباب» التي كانت تمدني بذلك الحزن الرومانسي العذب الذي يلازم المراهقة ويغذي أحلامها. كما كنت أحب أغنية واحدة لماهر العطار هي (بلغوه).
على أن الغناء لم يكن شاغلي الأكبر. فقد كنت، قبل كل شيء، أسيراً لاكتشاف جديد فتح أمامي أبواباً لا تنتهي: عالم الكتب والقراءة.
وكانت لي صحبة غريبة من شبان الحارة الذين اعتادوا التسكع أمام دكان الحمصاني ديبو. لم يكونوا أصدقاء دراسة ولا رفاق صف؛ فقد ترك أكثرهم المدرسة مبكراً، ولم ينالوا من التعليم إلا قسطاً يسيراً في المرحلة الابتدائية. ولم يجمعني بهم سوى عادتين سيئتين: التسكع أمام دكان ديبو، والتدخين.
وذات يوم انتهيت من مباراة «الفيشة» مهزوماً كعادتي أمام سارية شبيب. كان سارية في نظري أسطورة لا تُهزم في هذه اللعبة، تماماً كما كان محمد علي كلاي أسطورة لا تُهزم في الملاكمة. خرجت من الدكان وأنا أجر أذيال الهزيمة، وأشعلت سيجارة، فإذا بسارية يقترب مني وسيجارته تتدلى من فمه. قال وهو ينظر إلي بثقة العارف بالأخبار المهمة:
"مساء اليوم ستغني أم كلثوم (أنت عمري).. إنه لقاؤها الأول مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، والأمة العربية كلها تنتظر ثمرة هذا اللقاء بين العملاقين.."
قلت له مجاملاً على الرغم من أن ما قاله لم يكن يعني لي الكثير:
"لقاء رائع بين عملاقين.."
هزَّ رأسه وقال بنبرة لا تقل يقيناً ببراعته في الفيشة:
"لا يكفي أن تسمع عن لقائهما؛ بل يحب أن تسمع الأغنية نفسها الليلة.."
ثم تابع وهو ينفث الدخان من فمه وفتحتي أنفه:
"سنسهر مساء اليوم في بيت فلان بالسمانة لسماع حفلة أم كلثوم، فهل تأتي؟ سيكون معنا ضيف من حلب تعرفنا عليه، وهو شاب مثقف يحب القراءة مثلك."
أجبته: "أكيد سآتي.."
"تعرف مكان البيت؟"
"أعرفه.. في السمانة.."
وعرفت من سارية ان ضيفهم الشاب الحلبي اسمه سامي ابو ريشة، وأنه قريب للشاعر الكبير عمر أبو ريشة. وكان هذا وحده كافياً لأن يزيد شوقي إلى السهرة وإلى لقائه.
وجاء المساء.
سلكتُ طريقي المحاذي لمقبرة الدحداح، الذي ينوء في ظلمة لم تبدد مصابيح الطريق الباهتة شيئاً من عتمتها، ودخلت حارة السمانة، ثم بيت صاحب الدعوة.
كان الجمع قد اكتمل. صافحت الحاضرين جميعهم، قدّمتُ نفسي للضيف الحلبي، وعرفني على نفسه. كان شاباً أنيقَ الهيئة، ذا حضور، متحدثاً. تبدو الثقافة في طريقته بالكلام كما تبدو الأناقة في ملبسه. وحين جلست بينهم، وجدت نفسي أتساءل في صمت: أي صدفة جمعت هذا الشاب بهؤلاء؟
كيف تعرّفوا إليه؟ وأين التقوا؟ وما الذي جمع بين رجل يسير في الحياة على نهج، وآخرين يسيرون على نهج مختلف تماماً؟
كان هو ابن القراءة والتعليم والاهتمام بالفكر، أما هم فأبناء الحرفة والعمل اليومي الشاق. كان يتحدث بلغة مهذبة مصقولة، وهم يتحدثون بلغة الحارة وأسواقها، بما فيها من طرائف وخشونة وألفاظ لا تخلو من الشتائم.
ومع ذلك، فقد اجتمعوا جميعاً حول شيء واحد يملك سلطاناً عجيباً على قلوب الشباب في تلك الأيام: أم كلثوم.
وكعادتي تحدثت قليلا في سهرتي معهم. أجلس في طرف الحلقة، أتابع احاديثهم كما يتابع المرء مجرى نهرٍ بطيء لا يعجله الوصول إلى مصبه. استمعت إلى سامي طويلاً؛ أعجبتني ثقافته واتساع اطلاعه، غير أن إعجابي لم يكن يخلو أحياناً من غيرة خفية، ولا من شك عابر ينهض في النفس ثم يخبو. وكان صوته الواثق ينساب بين الجالسين فيملأ الفراغات التي يعجزون عن ملئها.
أما هم، فقد كانوا يصغون إليه بامتثال صامت. تتنقل أبصارهم بين وجهه وشفتيه كأنهم يخشون أن تفوتهم كلمة. وفي عيونهم رأيت ذلك المزيج المألوف من الإعجاب والجهل والشعور بالنقص؛ النظرة نفسها التي يرمق بها الإنسان البسيط رجلاً يحمل في رأسه عالماً.
لكن ما إن انطلق صوت أم كلثوم حتى تبدل كل شيء.
خفتت الأحاديث فجأة. واستسلم الجميع لذلك الصوت الذي أخذ يتصاعد في فضاء الأمسية الهادئة. كنت أراقبهم أكثر مما أستمع إلى الغناء.
أدهشني ذلك الافتتان الذي استولى عليهم جميعاً دفعة واحدة؛ كأن الصوت أيقظ فيهم شيئاً دفيناً يعرفونه ولا أعرفه. أما أنا فبقيت خارج تلك الدائرة السحرية. كنت أستمع بحياد غريب، وأحاول أن أفهم سر هذا الانجذاب الجارف الذي لم يطرق باب قلبي. كنت أقر بعظمة ما أسمع، وأدرك أنني أمام فن رفيع، لكنني كنت في الوقت نفسه مندهشاً من المسافة التي تفصل ذائقتي عنه.
وانتهت (أنت عمري)
وانتهت السهرة معها.
لبث سامي قليلاً بعد ذلك يواصل الحديث، بينما أخذ الحاضرون يستعيدون كلمات الأغنية ومقاطعها كما يستعيد المسافر مشاهد طريق طويل.
ثم استأذنتهم وانصرفت.
خرجتُ إلى الليل وحدي.
كان الطريق المحاذي لمقبرة الدحداح كما تركته أول المساء: شحيح الضوء، غارقاً في السكون. وكانت الأشجار السوداء تنتصب على الجانبين كأشباح حارسة، فيما تتلاشى أضواء المصابيح القليلة في بحر من الظلمة. ومضيت بين الصمت والعتمة غير شاعر أن تلك الليلة ستبقى في ذاكرتي كل هذه السنين.
ومضى الزمن.
ثلاثة عشر عاماً كاملة جرت في مجراه كما تجري مياه النهر، تحمل معها وجوهاً وأماكن وأياماً لا تعود. ففي عام 1977، خلال خدمتي الإلزامية، ذات ليلة في قرية (شبعا) بغوطة دمشق، كنت في خيمة بين خيم أخرى منصوبة بين أشجار المشمش. وكان الليل ساكناً إلا من همسات الريح وأصوات أزيز الحشرات المتخفية بين الأغصان. هناك، في تلك العزلة البعيدة، استمعت إلى (رباعيات الخيام) بصوت أم كلثوم.
ولا أعرف إلى اليوم كيف حدث ذلك التحول.
فقد أحسست فجأة بشوق غامض يجتاحني، وتوقٍ جارح إلى شيء لا اسم له. بدا الصوت كأنه يأتي من مسافة أبعد من المسافات كلها، من مكان لا تبلغه الأقدام ولا الخرائط. وأحسست أن الكلمات تفتح أبواباً ظلت مغلقة في نفسي سنوات طويلة.
في تلك الليلة، وتحت أشجار المشمش، فهمت ما لم أفهمه في سهرة (السمانة) القديمة.
ومنذ ذلك اليوم أصبحت من مستمعي أم كلثوم؛ أعود إلى أغانيها كما يعود المرء إلى نهر عرفه متأخراً، ثم اكتشف أنه كان يجري دائماً في أعماقه.
ذكريات حياتي في عيد ميلادي
محو الرفاق: النفي الأبدي تروتسكي وستالين
"أنت عمري"
تحية اعجاب واحترام وتقدير للأستاذ خطيب بدلة
مجرد نبذة في الرهبنة العربية قبل الإسلام
من “لست شجرة” إلى منطق الثأر.. كيف نعيد إنتاج الكارثة بأيدينا؟
أما أنا فلا أخلع صاحبي
العلويُّونَ بينَ سجنِ “الطَّائفةِ” وأفقِ “المتَّحدِ الثَّقافيّ”: نداءٌ للاغِتَسالِ بِالمَعْرِفَةِ
قراءة نقدية ومقارنة في كتاب «العرب من وجهة نظر يابانية» للمؤلف نوبوأكي نوتوهارا 2 من 2
دمشق تحت الرايات
قراءة نقدية ومقارنة في كتاب «العرب من وجهة نظر يابانية» للمؤلف نوبوأكي نوتوهارا 1 من 2
اهدأ.. عبقريتك في بساطتك
حماة بين إرث العشق والمسؤولية المجتمعية.. د. وجيه البارودي نموذجاً للمواطنة
وما تبقى من المفاهيم.. حكومة تصريف الأعمال وحكومة الأمر الواقع
الوفاء والعرفان.. مصدر سعادة وهناء