كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سائح يسيح في نظام "اللي الله حاميه"

أُبيّ حسن- دمشق

كلما غضب الله عليّ، وشاهدت لقاء مع سائح أجنبي على إحدى محطات التلفزة الأرضية أوالفضائية الخاصة ببلاد الحزب الواحد والرأي الواحد إلى آخر ما هنالك من وحدات ينفرد بها نظام (اللي الله حاميه)، يكون جواب السائح على السؤال المكرور حول رأيه في بلادي التي يزورها أو يحل ضيفاً عليها: "شعب طيب وكريم ومضياف"، وإذا كان جوّاداً في رأيه يضيف بعض العبارات مثل: "عندكم أمان.. أذهلني التعايش بين الأديان في بلدكم" ـ كأن أخانا في الله كان يحسبنا نعيش في غابة أو خريجي أدغال! ـ وبالتأكيد لن ينسى أن يحسدنا على عيشتنا وحياتنا. (بدوري أشكره على مشاعره النبيلة).
طبعاً بمقدورنا أن نتصور كيف تبتسم له المذيعة (أو المذيع) وهي في حالة نشوة مابعدها نشوة جرّاء عبارات الإعجاب والحب، التي تتلقفها أذناها، في بلادها. ونظراً لارتفاع نسبة الأمية الثقافية لدى مذيعينا ومذيعاتنا لن يخطر لأحدهم أن يسأل هذا السائح أو ذاك، لماذا لا يأتي ويستقر في هذه البلاد طالما أنها أذهلته إلى درجة سلبت معها لبّه وعقله! لاشك بأنه سؤال منطقي ووجيه وإن كان ينطوي على بعض الخبث.
حقيقة للوهلة الأولى بغضت السائحين، وأصبحت أشعر تجاههم بالنفور جرّاء إجاباتهم التي كنت أراها تحفل بكمٍّ لا بأس به من المجاملة، بكلمة أخرى كنت أراها "نفاقاً اجتماعياً" بامتياز. ومما كان يزيد في نفوري وبغضي من أولئك السيّاح هو ترددهم في الإجابة للوهلة الأولى وبطريقة تعطي انطباعاً بأن المجيب منهم يتدلل علينا أو يَمنُنا، قبل أن يتفضّل علينا ويعلمنا بأننا شعب طيب ومضياف!.. وما تبقى من مفردات وعبارات تجعلك تحسد نفسك كونك وُلدت في هذه البلاد دون غيرها من بلاد الله الواسعة، وان كانت هذه المفردات وتلك العبارات تبدو وكأنها مقتبسة من كتب تصدر في بلاد الغرب خصيصاً لتعليم السائح هكذا إجابات في هكذا مناسبات وفي بلاد كهذه، وهي كتب تذكرني بعناوين كتب تصدر عندنا بوفرة من قبيل "كيف تتعلم الانكليزية في خمسة أيام" و"كيف تتعلم الفرنسية من غير معلم" وماشابه..
ولعلها مفارقة أن لا يخطر ببال أحدنا، وهو يعيش لحظات من الحسد والغبطة والسعادة في آن واحد، مبادلة بلاده ببلاد السائح المفوّه والشديد الإعجاب بمآسينا.
مع الزمن اكتشفت أني كنت على خطأ، والاعتراف بالخطأ فضيلة، نعم كنت مخطئاً، وقد ظلمت السائحين الأجانب بظني هذا، متغافلاً أن بعض الظن إثم.
وكي أوضح المسألة لا بأس من إجراء تحليل تجريبي بسيط، كنت قد أجريته على نفسي، إذ وببساطة، وضعت نفسي مكان السائح، والمذيعة النجيبة قبالتي تسألني السؤال المكرور والمذكور أعلاه. بالله عليكم بماذا سأجيبها؟ هل أتحدث لها عن الديموقراطية وأفواه السجون تتلقف المزيد من دعاتها وعشاقها؟ أم عن التعددية السياسية التي أصبحت حديث المفكرين والمستشرقين والناس من كل حدب وصوب؟ أم تراني أجاملها فأغضّ النظر عن راهن الحالة الإعلامية التي ما تزال تباهي الأمم بسياساتها التعتيمية؟ أم تراني "أفخر" بمدى احترام حرية الرأي والرأي الآخر وسيادة القانون الذي أصبح قبلة الأنظار؟ أم أدسّ أنفي بما لا يعنيني فأتحدث عن الفساد وثقافته الممأسسة وهلم جرا؟ حقاً عن ماذا سأتحدث، وفعلاً ما الذي يمكن أن يكون قد أعجبني في هذه البلاد سوى طيبة الناس والشعب المضياف؟
إذاً الأفضل، والأكثر سترة، هو الإجابة التي أجابها السائح، والآن أعترف صاغراً أن إجابته تلك تنطوي على الكثير من اللباقة والحكمة والأخلاق النبيلة والمودة إزاءنا نحن شعب الله المنكوب.
لكن، وكي لانظلم أولي الأمر في بلادي، يمكننا النظر إلى الموضوع من وجهة نظر أخرى، ففرضاً تحققت الديموقراطية (لا سمح الله ولا قدّر) والقضايا الأخرى المتعلقة بالتنوير، كحرية التعبير عن الرأي والتعددية السياسية وتداول السلطة (هل قلت تداول السلطة؟ أستغفرُ الله) إلخ... فعن أي شيء سيكتب مناهضو الاستبداد وسياسة الحزب الواحد؟ لذا أرى لزاماً عليّ توجيه هذا النداء إلى أولي الأمر، وكلي أمل بأنهم لن يخذلوني فيطبقوا شيئاً من القضايا سابقة الذكر، وربما يوجد آخرون غيري يطمعون بكرم أولي الأمر هذا، اللهم لا لشيء، فقط كي يبقى لدينا موضوع أو قضية نكتب عنها وحولها.. قضية نحلم بها فنطالب ونناضل لتحقيقها، ولعمري إن في تلبية هذا النداء يتحقق لنا أمران: الأول منهما: بقاء مساحة للحلم نعيش ماتبقى لنا من العمر في فسحتها. والثاني منهما: بقاء باب مفتوح "نسترزق" منه. وعلى ما أعتقد أن كرم المعنيين بالأمر يأخذ بعين الاعتبار القول المأثور: قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق. إذاً للقضية جانبها الإنساني كذلك، وهم، بكل تأكيد، أهل لكل ما هو إنساني.. اللهم عافِنا.

المستقبل - الخميس 1 حزيران 2006 - العدد 2281 - شباب - صفحة 9