كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حول خطاب الهوية المأزوم

يحاول أُبي حسن في كتابه الصادر عن دار بيسان تحت عنوان "هويتي من أكون .. في الهوية والإثنية السوريتين" التنقيب خلف المشهد السائد, والبحث في العمق عما يعتمل خلف الثقافة الأكاديمية المسيطرة التي تتعفف عن القول عبر الإيماء والمواربة تحقيقا لمكاسب سياسية ضيقة, معتمدا في ذلك على تحليل الثقافة التي تحكم تفكير النخب السياسية السورية والعربية بكافة أشكالها ومكوناتها, تلك النخب التي تخفي عوراتها وطائفيّتها تحت أغطية الايدولوجيا واليسار والديمقراطية والعلمانية التي سنجد في هذا الكتاب أنها مجرد قشرة رقيقة تستر ذلك الموروث المرعب الذي مازال يتحكم بوعي نخبنا فينتج كل هذه الكوارث.
الكتاب أشبه بسيرة فكرية, تنوس بين الحياتي المعاش والفكري الذي يحاول أن يفتش عن أسئلة ذاتية مؤرقة, إذ يعيد الكاتب النظر بكل ما قرأه وعرفه وما لقنته إياه الثقافة المعاصرة, عبر سؤال مركزي: من أنا ؟ ومن أكون؟ ما هي هويتي؟ وماهي مكوناتها؟ هل العروبة والإسلام والعلوية (التي ينحدر منها الكاتب مذهبيا) هي مكونات هويته؟ وهل الهوية إهاب مكتسب جامد يأخذه المرء منذ ولادته, وتهبه إياه بيئته التي ولد فيها, أم أنها هوية منفتحة ذات سيرورة لا تنتهي؟.
يرفض الكاتب بالمطلق هويته الضيقة, لصالح الهوية المفتوحة التي يعتبرها أمرا غير مكتمل يختاره المرء طوعا, مشكلا بذلك هويته الحقيقية, ولكن لا يني يظهر السؤال : هل نظرته للأمور هي التي تحدد هويته وحدها؟, أم نظرة الآخرين الذين يعيش المرء بينهم ولا يستطيع فكاكا من علاقاتهم وطبيعة تفكيرهم الطائفية البحتة!
هنا يصطدم الكاتب في معرض بحثه عن هويته كما يقول بعوائق تفكير الآخرين, وخاصة المثقفين الذين كان يظن الكاتب أنهم تجاوزوا طائفيتهم لصالح وطنية سورية أو عربية تعامل الانسان بناء على كونه إنساناً لا مجرد رقم من قبيلة أو طائفة.
و من خلال تحليله ودراسته سيكتشف الكاتب أن أغلب النخب "العلمانية" المنتمية إلى أحزاب يسارية, كانت تعامله على أساس كونه علويا أكثر من كونه مواطنا, وكانت تريد استخدامه ورقة ضغط في وجه السلطة الحاكمة ليس بوصفه مواطنا له حقوق وواجبات, بل بصفته أداة يمكن استخدامها وقت الحاجة..
من هنا يمكن أن نسلط الضوء على واحدة من أهم أسباب فشل اليسار والأحزاب العلمانية والمعارضات العربية على اختلاف أشكالها, التي عملت - كما السلطات الحاكمة - على ترسيخ الطائفية والعشائرية (وهي التي جاءت لمحاربتها والتخلص منها كما ذكرت في بياناتها وأحزابها), أي أنها ركزت عملها كله في الوصول إلى السلطة بأي طريقة, بعيدا عن إيلاء الجوانب الاجتماعية والثقافية أي أهمية, بل عملت على استغلال المكوّن الطائفي والديني لتأزم الوعي أكثر مما هو مأزوم فساهمت في ترسيخ الطائفية وتأبيدها.
ولا يكتفي الكاتب بفضح الأحزاب والسياسات السائدة, لأنه يرى أن العطب لا يكمن بها بل في الثقافة المسيطرة التي تحكم تفكير الجميع, لذا يذهب باتجاه المثقفين والعلمانيين الذين مازالت مناداتهم بالعلمانية مقتصرة على الشعارات فقط, حيث نادرا ما نجد زواجا مختلطا بين أبناء العلمانيين المنتمين إلى طوائف مختلفة.
ومن النقاط الهامة التي يسلط عليها الضوء هي علاقة الأقليات الدينية بالأكثرية الدينية, إذ سنرى أنها مازالت علاقة مشوبة بالحذر والانغلاق والمواربة التي تخفي الحقائق بدل طرحها على نطاق البحث كمقدمة لحلها, حيث يبين لنا الكاتب كيف أن الأقليات تسعى لتبني خطاب الأكثرية لتزايد عليها دينيا في أمور ربما ترفضها عقيدة هذه الأقليات, ولكن خوفا من بطش الأكثرية وتكفيرها لها تزايد عليها دينيا عبر التمسك بشعائر الدين الظاهرية, فتتشدد في تطبيق أحكام دينية ظاهرا فقط لإرضاء الأكثرية, خاصة أن الأقليات عانت منذ زمن من بطش الأكثرية دينيا, وهنا نرى أن النفاق يحكم الأقلية والأكثرية معا, الأولى تنافق كي لا تكفرها الثانية, والثانية تساير كي تستتب لها الأمور, الأمر الذي يخلق وضعا مستقر ظاهريا, وقلقا قابلا للانفجار في أية لحظة باطنيا.
ويرى الكاتب أن الأقليات (ومنها الطائفة التي ينحدر منها الكاتب) لم تتحدث عن جروحها والظلم الذي وقع عليها على يد الأكثرية, متسائلا : "ولكثرة المجازر التي طالت العلويين, والتي لا يعرف أحد عدد ضحاياها إلا الله, عبر التاريخ لعله, يحق لهذا القارئ أو ذاك أن يتساءل: لماذا يحيي الشيعة ذكرى كربلاء, واليهود ذكرى محارق النازية, والأرمن إحياء ذكرى المجازر التي طالتهم, والإخوان المسلمون ذكرى ما جرى في مدينة حماه إلى درجة سموها "مأساة العصر", قبالة عدم تفكير أي علوي بأن يحيي ذكرى الاضطهاد الذي حاق به عبر التاريخ, ولو كان على سبيل المثال إحدى المجازر الجماعية التي تعرضوا لها؟, هل هو نوع من الاضطهاد كذلك, أم أنه تسام على الجراح, وانفتاح وقبول للآخر أياً كان؟.
ويتابع الكاتب قائلا :" وقد تكون الطائفة العلوية هي الطائفة الوحيدة من ضمن الطوائف المكونة للمجتمع السوري التي لم يسبق لها أن تحدثت عن الاضطهاد السياسي والديني الذي لحِق بها عبر التاريخ بالقدر الذي "يليق" باضطهاد كذاك!, وكأن الحديث عنه أمر, ولو من وجهة نظر تاريخية, معيب وشائن وخيانة وطنية, أو موقف فكري رجعي أو طائفي!. هذا إن لم تكن هي أكثر الطوائف التي تعرضت لاضطهاد, عبر تاريخها, بسبب من معتقد ديني!.
هنا نرى أن الأقلية ترفض ذلك ولا تسعى إليه لأنها محصورة بين سندان الأكثرية الدينية و مطرقة السلطة التي تقرر وتنفذ وتضغط لتكون الأمور دائما في صالحها, وتتحمل الأكثرية وخاصة السلطات الدينية والفقهية مسؤولية كبرى في ذلك كما يرى الكاتب, لأنها ساهمت على مدى قرون طويلة في بث ثقافة الخوف والتقية في نفوس الأقليات ودفعتها إلى موقع عدم الثقة الدائم نتيجة المجازر والفتاوى التي مازالت ترفع حتى هذه اللحظة في وجه الأقليات عبر تكفيرها, وعدم الاعتراف بها إلا كأقلية دينية خارجة عن "وحدة الصف الديني", والأمثلة المعاصرة بارزة منها : بيان الأزهر الأخير بشأن الديانة البهائية في مصر, حيث أن أقل ما يمكن أن يقال فيه أنه مغرق في الطائفية والتحريض على القتل عبر اعتبارهم مرتدين و أصحاب ديانة وثنية ! وكذلك الأمر ما احتواه قانون الأحوال الشخصية (المسودة) في سورية لجهة تسميته المسيحيين بأهل ذمة وكتابيين, وهي مصطلحات نسيناها في سورية منذ زمن على الأقل في القانون, فإذا بها تطل من جديد, ولا نعتقد أن ظهورها الفج بعيد عن تأثيرات رجال الدين والكهنوت الذي يتظاهر بالوسطية والاعتدال ولكنه يخفي كل إفرازات التكفير والتخوين ليظهرها فجأة ودون سابق إنذار في وجه مكونات المجتمع المغايرة له بغية إرهابها, وإعادة تجريب المجرب الذي لم يوصل إلا إلى الكوارث التي تتكرر دون أن نستفاد منها ونتعظ .
وهنا يرى الكاتب أن الأمور لن تصلح في عالمنا العربي ما لم يرفع الغطاء عن كل ذلك التاريخ بكل مافيه من ايجابيات وعيوب ونواقص, ووضعها على إطار البحث بشكل عقلاني, عبر إفساح المجال للجميع للتعبير عن عقائدهم عن طريق جعل حرية المعتقد والتعبير عنه حق مقدس للجميع, شرط التعبير عنه ضمن الإطار الوطني, عاقدا الأمل على الآخر المختلف الذي لا يمكن للوطن التحليق دون جناحيه(الأنا والآخر) للوصول إلى "ثقافة مدنية إنسانية بعيدة عن العنف والاضطهاد كليا, ثقافة من شأنها إنتاج هُوية إنسانية, وبالتالي هُويّة وطنية. ومن المحال أن تكون الهُويّة وطنية هنا إن لم تكن في جوهرها إنسانية".
ولكن المشكلة الكبرى في البحث, رغم أن الكاتب يقر بأنه ليس بحثا بالمعنى المتعارف عليه, هو أنه يستند في الكثير من مراجعه على مقالات صحفية ومقابلات شخصية وانطباعات فردية, إضافة إلى نماذج واسعة من الثقافة الشفوية عبر الأمثال التي يسردها ويقدمها كبرهان على صحة ما يقول, مقابل ضعف الاستناد إلى مراجع فكرية واضحة في معالجة مواضيع من عيار فكري ثقيل لا يفيها حقها من البحث والمعالجة الاستناد إلى ثقافة الصحف الضحلة والعابرة. وكان يمكن لهذا الأمر أن يؤتي ثماره لو أنه تعمق أكثر في تحليل الثقافة الشفوية التي تختزن بين طياتها الكثير من الأمثال العنصرية التي تبين مدى عمق الثقافة الطائفية وتأثيرها في البنى الاجتماعية المغلقة على دوائرها المعرفية المغرقة في التعصب.
ولكن رغم ذلك, يبقى الكتاب محاولة واضحة وجريئة لجهة تسليطه الضوء على نقد المسكوت عنه في الحديث عن الطائفية, وخاصة نقد النخب التي ترفع شعارات العلمنة وتنتهكها كل يوم, إضافة إلى نقد الاستبدادين الديني(الأقليات والأكثريات) والسياسي( السلطة والمعارضة) وتوضيح كيفية استخدامهما المكون الطائفي لترسيخ سلطاتهما التي تتآكل كل يوم, فتعملان على ترميمها ولو أدى ذلك إلى الغرق في بحار ثقافة طائفية لن تبقي أحدا سالما حالما انفجر المرجل الذي يغلي منذ آلاف الأعوام, ولنا في العراق أسوة سيئة!
الكتاب : هويتي ..من أكون؟ في الطائفية والإثنية السوريتين
الكاتب : أبي حسن
الناشر : دار بيسان, بيروت , 2009

محمد ديبو
آرام نيوز
6 تشرين الأول 2009