تسجيلات صدام حسين "القاسية" على الأوهام!
2026.01.02
سلام مسافر
تنشر قناة على يوتيوب عنوانها "القسوة لدى صدام حسين" تسجيلات صوتية لاجتماعات القيادة العراقية قبل الاحتلال غالبا ما يترأسها صدام حسين وتتضمن معلومات وتفاصيل هامة ومفيدة للباحثين والمؤرخين الساعين الى كتابة تأريخ العراق بروح علمية وليس بحثا عن الإثارة بمنظور قومي او طائفي.
الموقع يحمل عنوانا منحازا؛ ومن غير المعروف من يديره وكيف يحصل على التسجيلات، لكن المعروف ان أطرافا عراقية إضافة الى قوات الاحتلال الاميركي استولت على أرشيفات الدولة العراقية ما قبل الاحتلال العام 2003 وتتصرف بها وفقا لمشيئتها وليس لاعتبارات موضوعية.
من بينهم على سبيل المثال لا الحصر احمد الجلبي وكنعان مكية، وعلمت ايضا من مصدر كان يعمل مستشارا حقبة ولاية نوري المالكي الأولى ان نجله أحمد قام بنقل مئات الصناديق المعبئة بوثائق الدولة العراقية في شاحنات خرجت من "المنطقة الخضراء" إلى جهة مجهولة.
تسجيلات موقع "القسوة لدى صدام حسين" بعيدا عن الناشر ومقاصده؛ تقدم خدمة لا تقدر بثمن لمن يريد التعرف على آليات الدولة العراقية حقبة حكم حزب البعث في العراق وكيف كان يتعامل صدام حسين خلالها مع الأحداث والأشخاص والوقائع؛ وتمثل كنزا يساعد الباحثين في دراسة شخصية حكمت العراق لأكثر من ثلاثة عقود، ولعبت دورا حاسما في نهاية الدولة وسقوطها الماساوي بيد حثالة حاكمة تعيث اليوم بمصائر العراقيين وثروات البلاد.
بعد سقوط نظام البعث واحتلال العراق؛ انتشرت مئات الكتب وآلاف المقالات؛ إضافة الى عشرات القنوات على مواقع التواصل تتنطع لتاريخ حقبة صدام حسين، وبلغ الأمر ببعضهم إلى تلفيق قصص ووثائق باستخدام التقنيات الحديثة؛ لا تقلب الحقائق؛ فحسب؛ وإنما تعيد كتابة تاريخ العراق السياسي وفق مطامع وأهواء كلبتوقراطية الحاكمة.
احدى التسجيلات المنشورة موخرا يعود إلى العام 1973 لاجتماع عُقد بعد فترة قصيرة من حركة ناظم كزار ضد النظام. وهو اجتماع جمع النائب صدام حسين مع القيادة القومية، وقد ورد خلاله مداخلات لعضوين في القيادة القومية لحزب البعث؛ شبلي العيسمي وعلي غنام، كما ورد ذكر أسماء قيادات عربية؛ سورية بشكل خاص؛ أثناء الاجتماع وكان صريحا ومفتوحا؛ يصف بالتفصيل ظروف وملابسات محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها ناظم كزار ضد البكر أثناء عودته الى مطار المثنى في بغداد عائدا من زيارة الى بلغاريا.
تكمن أهمية التسجيل ان صدام حسين كان يتحدث إلى الدائرة الضيقة في القيادتين القومية والقطرية؛ وبالتالي فإنه لم يكن مضطرا لتزويق المعلومات او منحها طابعا دعائيا او تحريضا.
ونفهم من سير المناقشات ان القيادة القومية للبعث لم تصدر بيانا تقيم فيه ماجرى في 30 حزيران/يونيو 1973؛ إلا بعد مرور بعض الوقت؛ الأمر الذي يثير التساؤل حول ما إذا كانت لدى القيادة القومية او بعض الأعضاء البارزين في عدادها مواقف مغايرة من الشخصيات الفاعلة او المتهمة بالمحاولة. ولعل الخلاف كان يدور حول موقف عبد الخالق السامرائي الذي تتفق غالبية الكتابات انه شخصية معتدلة بل بعضهم يعتبره مثاليا ومختلفا تماما عن توجهات خط صدام حسبن.
بيد أن وقائع الاجتماع؛ تقدم صورة مغايرة؛ إذا يتحدث صدام امام القيادات عن توافق بين السامرائي و ناظم كزار؛ ما يدفع الى التساؤل حول ما إذا كانت الصورة المثالية للقيادي عبد الخالق السامرائي حقيقية؛ ام انها محاولة لتبرئة ساحته من الجرائم التي ارتكبت في تلك الحقبة، وكان ناظم كزار الأكثر تورطا في تنفيذها.
يكشف التسجيل عن دور لناظم كزار في تفجيرات وقعت شمال العراق، وربما يجري الحديث عن محاولة تصفية الملا مصطفي بارزاني ومساعديه يوم 15 أيلول/ سبتمبر 1971 عبر تلغيم شخصيات دينية دون علمها زارت الزعيم الكردي بمقره في كلاله ونجا بأعجوبة من الموت.
لا توجد مسوغات للاعتقاد بأن صدام حسين كان يلفق التهم ضد كزار الذي الف عنه شقيقه كتابا؛ يصور الجلاد المعروف بدمويته "و قد لمسناها على جلودنا في قصر النهاية" بصورة الملاك النهم للقراءة والمثقف الألمعي ابن الأسرة المتعلمة وعاشق المكتبات.
لا تتحمل عائلة ناظم كزار وزر جرائمه قطعا؛ ولشقيقه كامل الحق بأن يفتخر بحصول أفراد أسرته على التحصيل الأكاديمي العالي؛ وعن رفوف الكتب في منزل والدهم؛ لكن رواية صدام امام محفل حزبي مغلق؛ تكشف عن حجم الأفعال السيئة التي كان كزار يرتكبها حتى بحق أقرب الناس؛ بما فيها تصوريهم في اوضاع خاصة بهدف الابتزاز كما يبدو.
صدرت روايات مختلفة عن "حركة ناظم كزار" استندت غالبيتها إلى "نظرية المؤامرة" الأقرب الى المخيال الشعبي. تارة بالحديث عن دور للاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) في إحباط محاولة ناظم كزار الانقلابية وتارة بأن صدام حسين كان ورائها لتصفية أحمد حسن البكر.
تجد روايات المؤامرة رواجا؛ ويراهن معدو قنوات اليوتيوب والبرامج التلفزيونية المتشابهة في العناوين والمضامين على شغف المشاهدين بالاسرار المختلفة للحصول على اكبر قدر من المشاهدات وتحقيق الربح المادي والشهرة.
واضح ان غالبية مدبجي الكتب والبرامج لم تطلع على الوثائق الأصلية بما فيها التسجيلات الصوتية لاجتماعات القيادة العراقية حقبة البعث؛ وثائق تتحكم بتسريبها والتصرف بها جهة مجهولة لا يمكن أن تكون محايدة او معنية بتقديم الحقائق لأجيال العراقيين المحصورين في أقبية التفسير المغرض للأحداث التي عصفت بالبلاد و ما تزال.
تهدم التسجيلات المبثوثة من حين لآخر بقسوة الأوهام والكثير من نظريات المؤامره وتخدم عن دراية او جهل علماء التاريخ وتفضح مروجي الخرافات والأوهام.
رابط التسجيل